فَأَنَا أَرُدُّ عَلَى جَمِيعِ مَنْ فَسَّرُوا هَمَّ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَا اخْتَرْتُهُ، لَا هَمُّهُ وَحْدَهُ، وَأَقُولُ: لَوْلَا الْغُرُورُ بِالرِّوَايَاتِ الْبَاطِلَةِ لَمْ يَخْطُرْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ غَيْرُهُ، أَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِعِبَارَةِ الْقُرْآنِ فِي مَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فَأَقُولُ:
أَجْمَعَ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ الْهَمَّ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْأَعْمَالِ، لَا بِالشُّخُوصِ وَالْأَعْيَانِ، وَتَحْقِيقُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ مُقَارَبَةُ فِعْلٍ تَعَارَضَ فِيهِ الْمَانِعُ وَالْمُقْتَضِي فَلَمْ يَقَعْ لِرُجْحَانِ الْمَانِعِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ فِي التَّعَارُضِ الْأَعَمِّ، وَلَكِنَّ رُجْحَانَ الْمَانِعِ هُنَا قَدْ يَكُونُ بِإِرَادَةِ صَاحِبِ الْهَمِّ وَمِنْهُ هَمُّ يُوسُفَ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ وَمِنْهُ هَمُّ هَذِهِ الْمَرْأَةِ: كَانَ هَمُّهُمَا وَاحِدًا وَهُوَ الْبَطْشُ بِالضَّرْبِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، وَكَانَ الْمَانِعُ مِنْهُ إِرَادَتَهُ هُوَ وَعَجْزَهَا هِيَ بِهَرَبِهِ، وَهَاكَ الشَّوَاهِدُ عَلَى الْقِسْمَيْنِ.
حَكَى اللَّهُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ أَنَّهُمْ مَكَرُوا بِالرَّسُولِ لِيُثْبِتُوهُ أَوْ يَقْتُلُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ، وَحَكَى عَنْهُمْ وَعَنِ الْمُنَافِقِينَ فِي التَّوْبَةِ أَنَّهُمْ (هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ) آيَةَ 13 - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ بَلَدِهِ مَكَّةَ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا لِأَنَّهُمْ خَافُوا أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ غَيْرُهُمْ مِنَ الْعَرَبِ فَيَقْوَى أَمْرُهُ، فَرَجَّحُوا الْمَانِعَ بِإِرَادَتِهِمْ، وَحَكَى عَنِ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ (هَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا) آيَةَ 74 إِذْ حَاوَلُوا أَنْ يُشْرِدُوا بِهِ بِعِيرَهُ فِي الْعَقَبَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمْ يَنَالُوا مُرَادَهُمْ عَجْزًا مِنْهُمْ وَحِفْظًا مِنْ رَبِّهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى - لَهُ: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) 4: 113 وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ هُنَا