قَالَ بِهِ: الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: لَا تَغْرِيبَ عَلَى النِّسَاءِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -.
أَمَّا حُجَّةُ مَنْ قَالَ بِتَغْرِيبِ النِّسَاءِ فَهِيَ عُمُومُ أَدِلَّةِ التَّغْرِيبِ، وَظَاهِرُهَا شُمُولُ الْأُنْثَى، وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: لَا تَغْرِيبَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَدِ احْتَجُّوا بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ بِنَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ السَّفَرِ، إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنَاهَا فِي سُورَةِ"النِّسَاءِ"فِي الْكَلَامِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ، قَالُوا: لَا يَجُوزُ سَفَرُهَا دُونَ مَحْرَمٍ، وَلَا يُكَلَّفُ مَحْرَمُهَا بِالسَّفَرِ مَعَهَا ; لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ يُكَلَّفُ السَّفَرُ بِسَبَبِهِ، قَالُوا: وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ وَفِي تَغْرِيبِهَا تَضْيِيعٌ لَهَا، وَتَعْرِيضٌ لَهَا لِلْفِتْنَةِ، وَلِذَلِكَ نُهِيَتْ عَنِ السَّفَرِ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، قَالُوا: وَغَايَةُ مَا فِي الْأَمْرِ، أَنَّ عُمُومَ أَحَادِيثِ التَّغْرِيبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ خَصَّصَتْهُ أَحَادِيثُ نَهْيِ الْمَرْأَةِ عَنِ السَّفَرِ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، وَهَذَا لَا إِشْكَالَ فِيهِ.
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهَا إِنْ وُجِدَ لَهَا مَحْرَمٌ مُتَبَرِّعٌ بِالسَّفَرِ مَعَهَا إِلَى مَحَلِّ التَّغْرِيبِ مَعَ كَوْنِ مَحَلِّ التَّغْرِيبِ مَحَلَّ مَأْمَنٍ لَا تَخْشَى فِيهِ فِتْنَةً، مَعَ تَبَرُّعِ الْمَحْرَمِ الْمَذْكُورِ بِالرُّجُوعِ مَعَهَا إِلَى مَحَلِّهَا، بَعْدَ انْتِهَاءِ السَّنَةِ، فَإِنَّهَا تُغَرَّبُ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ بِعُمُومِ أَحَادِيثِ التَّغْرِيبِ لَا مُعَارِضَ لَهُ فِي الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَمَّا إِنْ لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا مُتَبَرِّعًا بِالسَّفَرِ مَعَهَا، فَلَا يُجْبَرُ ; لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَلَا تُكَلَّفُ هِيَ السَّفَرَ بِدُونِ مَحْرَمٍ، لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ.