صفوفة للصلاة، يؤدون ركعاتها وسجداتها في تناسق مدهش و في نظام و وقار، لا يمكن أن يغفل ما لهذه الصلاة المنظمة من قيمة تربوية في نفوس المسلمين لفرض النظام والضبط و الطاعة.
إن العرب أباة لا يخضعون لمشيئة خارجية، ولكنهم كانوا يفتقرون إلى الشعور التام بالضبط والطاعة والنظام، فكانت هذه الصلاة أهمية بالغة في (إيقاظ) روح النظام والضبط و الطاعة في نفوس العرب المسلمين، لذلك غدا مكان الصلاة أول ميدان حقيقي للتدريب العسكري عند المسلمين.
ثم إن نظام المسلمين في الصلاة، شجع روح الوحدة بينهم، وخلق فيهم شعورا بالمساواة التي كانت من الأفكار الجديدة على بلاد العرب، إذ كانت الوحدة الموجودة حتى ذلك الوقت هي رابطة الدم، كما أن المظاهر الرئيسية التي سادت حياة العرب إذ ذاك، هي الافتخار بالأسرة والحسب والثراء وامتهان شأن الفقير وعديم الجاه، لذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم، مهد السبيل الوحدة بلاد العرب المتنافرة عندما نجح في تدعيم الاتحاد الذي أحتضن الفقير والغني على أساس المساواة، وعندما نجح كذلك في توجيه ضربة عنيفة إلى العصبية القبلية والعائلية.
وإلى جانب الصلاة، كانت فكرة المساواة الاجتماعية تجديدا تاما أحدثه الإسلام، فأصبحت مساعدة الفقير والقيام بأمره واجبا مقدسا، ولم يعد من شأن الأفراد أن يعطوا كيفما شاؤوا، وإنما غدت الزكاة فرضا تجبى إلى بيت المال و ينفق منها على الفقراء (1) .
والحق أن الزكاة كانت وما تزال طفرة حاسمة إلى الأمام، وحتى اليوم نجد أن الضرائب بمختلف أنواعها وأشكالها وغاياتها وأهدافها، توضع على الأرباح وتعفي رأس المال، أما الزكاة فلا تعفي رأس المال، مع شمولها الأرباح أيضا.
(1) الحضارة العربية - گيا، هل - ترجمة د. إبراهيم العدوي. ص (23 - 24)