فراقه، وذلك قوله: (يا أيها النبي قل لأزواجك أن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها، فتعالين أمتعكن وأسرحكن(1) سراح جميلا. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة، فإن الله أعد للمحسينات منكن أجر عظيا) (2) .
وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلمة بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقال لها: إني ذاكر لك أمرأ ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبوبكر، فقالت:
ما هو؟، فتلا عليها الآية، فقالت: أفيك أستأمر أبوي؟! بل اختار الله تعالى ورسوله،.
ثم تتابعن كلهن على ذلك، فساه الله: أمهات المؤمنين، تعظيما لحقهن وتأكيدا لحرمتهن وتفضيلا فن على سائر النساء.
لقد أمره ربه أن يخيرهن جميعا في سراحهن، فيكن كالنساء و يجدن ما شئن من دنيا المرأة، و بين إمساكهن، فلا يكن معه إلآ في بيعة أخرى تبدأ من حيث تنتهي الدنيا وزينتها، ولا تقتصر الآية الكريمة عن نفي الدنيا وزينة الدنيا عنه، بل نفت الأمل في ذلك أيضا إلى آخر الدهر، وأمانت معناه في نفوسهن بقصر الإرادة منهن على هذه الثلاثة: الله في أمره ونهيه، والرسول في شدائده ومكابدته، والدار الآخرة في تكاليفها ومكارهها، فليس هناك ظرف ولا رقة ولا عاطفة ولا سياسة لطبيعة المرأة ولا اعتبار لمزاجها ولا زلفى لانوثتها، بل هو تخيير بين ضدين لا تتلون بينهما حالة تكون منها معا (3) .
وكما كان قدوة في فقره، كان قدوة في خلقه ومعاملاته وسيرته في بيته ومع أهله والناس.
وكل ذلك معروف مشهور، لا جدوى من إعادة ذكره.
وأخيرا مات النبي صلى الله عليه وسلم متأثرا بالسم ذي المفعول البطيء، فقد أهدت
(1) السراح: الطلاق، ومنعة الطلاق: ما تعطاه المطلقة، وهو يختلف حسب السبعة والإفتار.
(2) الآيتان الكريمتان من سورة الأحزاب (33: 28 - 29) ، وانظر تفسيرها في تفسير ابن كثير (4/ 538 - 443) وتفسير البغوي (9/ 138 - 542) وتفسير الكشاف للزمخشري (292/ 4) .
(3) انظر مثال درس من النبوة للاستاذ المرحوم مصطفى صادق الرافعي في كتاب: وحي القلم(19