[1] ، فالخطاب في سورة البقرة كان للمرأة بقوله (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ) ، وهن شاهدات وحدهن على ذلك، ويؤخذ بقولهن لا بقول غيرهن، فكانت شهادتهن بمثابة أمانة يحملنها وحدهن، وليس الحال كذلك بالنسبة لمن كانت عدتهن بالأمور الظاهر كالأشهر والوضع، حيث الناس شاهدون على ذلك، وفي ذلك دلالة على أن الأحكام الشرعية لا تقبل التكرار والترديد، بخلاف المواعظ، فهي تكرر للتذكير، فالحكم الشرعي يجب تنفيذه بمجرد نزوله دون تردد أو توقف، لأن امتثال المسلم للأحكام الشرعية يجب أن يكون كامتثال الكون لأوامر الله تعالى الكونية، كما في قوله تعالى (وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة/117) ، فليس ثمة معنى لتكرارها وقد فات وقت الإذعان والامتثال لها دون حرج، قال سبحانه (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء/65) .
كما تخطت السورة ذكر أحكام العدة بالنسبة للمطلقة قبل الدخول لأجل انتفاء علة الحزن والأسى عندها بالقدر الذي يصيب المدخول بها، وذكرتها سورة الأحزاب باعتبار أن العقد لم يُتمكن من تنفيذه، بما ناسب جوها وما تدور حوله في شأن المنافقين وقد خلا قلبه من تنفيذ أركان الإيمان بالجهاد في سبيل الله، فكان إسلام المنافقين كطلاق غير المدخول بها، فلم يرتب أثرا، بينما ينصب الحديث في سورة الطلاق عن المرأة باعتبارها الطرف المكسور بالطلاق، وقد أنزل الله من التشريعات ما يخفف عنها من آثاره النفسية، و بما يحفظ لها حقوقها المادية والمعنوية المتولدة عن نكاح شرعي صحيح.
كما لم تذكر عدة المتوفى عنها زوجها رغم أنها أكثر النساء حزنا على فقد الزوج، ومن ثم تطول عدتها، اكتفاءا بذكرها في سورة البقرة، لأن العلاقة الزوجية المستقرة يتبعها حزن كبير لفراق الزوج حال الوفاة، ولا يجبر هذا الحزن غير التآسي عليه فترة لا يمكن للمرأة أن ترجع لنقطة الثبات النفسي والاتزان الانفعالي إلا بعد مضيها، وكان ذكرها في البقرة أولى من ذكرها في سورة الطلاق، للتأكيد على حق الزوج باعتباره القوام عليها بما ناسب موضوعها في شأن
(1) الإمام البقاعي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج 1 ص 348