أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته) [1] ، قال ابن القيم: (والتحقيق أن الغلق يتناول كل من انغلق عليه طريق قصده وتصوره كالسكران والمجنون والمبرسم والمكره والغضبان فحال هؤلاء كلهم حال إغلاق والطلاق إنما يكون عن وطر فيكون عن قصد من المطلق وتصور لما يقصده فإن تخلف احدهما لم يقع طلاق) [2] .
ومن الضمانات التي قررها الإسلام لاستعمال حق الطلاق اتباع إجراءات شكلية معينة قبل إيقاعه، فيتعين أن يشهد على طلاقها بالعدول من الرجال، والتربص لوقت إيقاعه، فلا يجوز إيقاعه في أي وقت، وإنما يجب أن يقع في طهر لم يجامعها فيه، ولم يرتب على إيقاعه في أول مرة ولا في ثاني مرة انفصام العلاقة الزوجية وانتهاء الحل، وإنما جعل الأمر فيه إناة، ومهل، فلا تنتهي العلاقة الزوجية إلا بعد انتهاء العدة متى كان الطلاق في المرتين الأولين، فليس معنى أن الطلاق قد وقع أن العلاقة الزوجية قد انتهت منذ أول طلقة أو الثانية، فإذا وقع في الثالثة فقد تأكد العزم على إنهاء هذا الميثاق الغليظ.
وكما عني الإسلام بالغة بالأسرة المسلمة حال إنشائها وتكوينها واستمرارها، بل وحال انفصال جزء منها وأحد أركانها، فإنه كذلك أولى لانفصام العلاقة الزوجية ذات العناية والاهتمام حتى تظل الأسرة المسلمة قائمة بعد انفصام العلاقة الزوجية طالما نتج عنها أبناء، فليس معنى إيقاع الطلاق، وانفصال العلاقة بين الزوجية لتبين المرأة من رجلها - سواء أكانت بينونة كبرى أو صغرى - أن يضيع ما بينهما من أولاد وتضيع حقوق المرأة، أو تضيع حقوق الرجل، ليس ذلك من الإسلام في شيء، فقد رتب الإسلام حقوقا للمطلقة وحقوقا للمطلق وحقوقا لأبنائهما، بما يحقق التعاون المشترك في تربية الأبناء تربية سليمة في ظل التقوى، واليسر في شريعة الإسلام، لذا تجد أن سورة الطلاق تربط مسألة الطلاق بعقيدة الإسلام، والأمر بتقوى الله تعالى، ذلك أن عقيدة الإسلام لا تنفك عن منهجه، ومنهجه ينبثق من عقيدته، فعقيدة
(1) المستدرك على مجموع الفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ج 5 ص 6 جمعه ورتبه وطبعه على نفقته: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم (المتوفى: 1421 هـ) - زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم ج 5 ص 215 نقلا عن شيخه ابن تيمية.
(2) إعلام الموقعين ج 4 ص 50