فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 70

الإسلام تعني أن الله عدل وقد حكم بالعدل، ومن العدل إعطاء الحقوق للضعفاء والإقرار بها، ومن هذه الحقوق ما يترتب على أمر هام مثل إيقاع الطلاق، لذا تجد أن التزام الرجل بتلك الحقوق تجاه زوجته، والتزامها هي بمثل ذلك تجاه زوجها حال إيقاع الطلاق بينهما، لهو دليل تحقق التقوى في قلوبهما، وأن التعسف في ذلك دليل على خلو القلب من الإيمان.

والقرآن لما تحدث عن الطلاق في هذه السورة تناوله من جهة إنشائه ـ والآثار التي تترتب عليه، وتأثير ذلك على المرأة المسلمة، الأمر الذي حدا ببعض العلماء إلى تسميتها بسورة النساء الصغرى [1] ، مع اختلافهم في صحة هذه التسمية [2] ، فالإسلام جعل الطلاق وسيلة لاحترام عقد الزواج متى تعذر تنفيذه على وجه يتفق مع شرع الله، وجعل للزواج آثار يجب الالتزام بها، وقد وثقه الله تعالى، فلا يجوز حال فسخه أو إنهائه أن تضيع الحقوق التي ولدت منه، ولذلك ربط المولى سبحانه بالطلاق عدة إجراءات لحفظ هذه الحقوق، كي تظل الأنساب معلومة والحقوق المادية محفوظة وحقوق الرضاع والأطفال مصونة.

بينما تناولت سورة البقرة الطلاق من جهة عقد الزواج ذاته بما يحول دون الاستهزاء به أوالتعسف في استخدام حق الطلاق المقرر للرجل، ولذلك نهت سورة البقرة عن إيلاء النساء وعن إمساكهن دون مسهن إضرارا بهن، وجعلت تربص ذلك أربعة أشهر وإلا جاز للمرأة طلب التطليق من زوجها لعدم صيانته لها في غضون هذه المدة، وأقتت للرجعة مدة ثلاثة قروء يحل لزوجها أن يراجعها خلالها ما لم تكن حاملا حيث تمتد عدتها إلى وقت الوضع، ونهت أن تكتم المطلقة - رجعيا - خبر حملها حتى لا ينخدع المطلق بانتهاء عدتها بالقروء، في حين أنه لو علم الخبر لأرجعها إلى عصمته قبل فوات موعد وضعها للطفل الذي في بطنها، كما نهت عن التلاعب بالطلاق فحددت أنه لو جاز للرجل إرجاع مطلقته ثم طلاقها ثم راجعها فإن ذلك لابد وأن يكون بقصد الإصلاح، وجعل قرينة التعسف أن يطلقها ثلاثا، فرخصت له في الطلاق مرتين فحسب، فإن وقعت الثالثة فليس له أن يرجعها إليه مرة أخرى، إلا أن تتزوج زوجا غيره

(1) بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز - للفيروزابادى 1 ص 115

الناسخ والمنسوخ - للمقري ج 1 ص 182

(2) التحرير والتنوير لابن عاشور ج 4 ص 5

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت