ولعل تفريق المطلقات والمفارقات أزواجهن بحسب أحوال عدتهن على عدة سور دون جمعهن في سورة واحدة فيه دلالة عظيمة على أن أحكام الله تعالى وإن كانت من حدوده وحقوقه، إلا أن العبادة له وحده هي الجامع لكل هذه الحقوق، فلا يعني الإسلام بباب واحد من أبواب الفقه دونما يولي عناية أكبر للفقه الأكبر، ألا وهو عقيدة المرء ليتمكن التوحيد من قلبه وتزكو نفسه على التقوى، فالقرآن ليس كتاب قانون أو سياسة أو اقتصاد، وإنما هو كتاب دين وتعبد لله تعالى، وإنما القانون والسياسة والاقتصاد ... الخ موضوعات تحدث فيها القرآن في إطار التشريع، وهذا الإطار يرتبط ارتباطا وثيقا بالاعتقاد، فلا يسلم الاعتقاد إلا بالتسليم بحق الله تعالى في التشريع والحكم، ولا يصح تشريع أو حد إلا بإخلاص النية لله تعالى، وهذا هو بيت القصيد الذي تدور عليه أحكام القرآن كلها، فلا تجد حكما شرعيا إلا بمثابة مسألة للابتلاء ليعلم الله من يطيعه ومن يعصيه، ومن ثم ارتبط به الأمر بالتقوى، وكثر معه ذكر الله، ووصفه بالمحامد والثناء عليه، وتعظيم حقه.
قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ * وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) {الطلاق/5}
وهذا فاصل ثاني من بين الاستطراد في أحكام الطلاق والعدة، إذ تعيد الآيات تذكير المرء بضرورة التقوى، فكما أنها المخرج من المأزق و الهم و الغم - كما أسلفنا - فإنها كذلك سبب لتيسير الأمر على الناس، وإعادة المنفصلين بالطلاق لنقطة التوازن النفسي من جديد، فلولا التقوى لصعب الأمر على المطلق أو المطلقة، ولأضحى الطلاق انهيار لثقة الإنسان فيما منحه الله تعالى من قدرات يستخدمها فيما أمر الله وشرع، فعلى المسلم قبل أن يطلق أن يسأل نفسه، لماذا يريد أن يطلق امرأته؟ وكذلك المرأة قبل أن تختلع من زوجها عليها أن تسأل نفسها لماذا تريد ذلك؟ فإذا لم يكن الباعث على ذلك تقوى الله تعالى فلا يفعل ولا تفعل، وإن كان الباعث هو التقوى، فعليهما أن يفعلا ذلك بالمعروف وبالتقوى، فلا يحمله ولا يحملها شنئان بعضهما لبعض أن لا يعدلا، فإذا كان الطلاق مخرجا بحسب معايير التقوى ففيه الفرج بإذن الله، وهو الأيسر بفضل الله، وإن كان الإمساك هو المخرج بحسب ذات المعايير فإنه يكون حينئذ هو الأيسر، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما خير رسول الله صلى الله عليه