فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 83

{وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ} بعبادتِه وإخلاص الدِّين له، فانصرفت دواعيهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الملِكِ العلاَّم، ومن الشرك والمعاصي إلى التوحيد والطاعات.

{لَهُمُ الْبُشْرَى} التي لا يقادرُ قدرَها، ولا يَعلمُ وصفَها، إلا مَن أكرمهم بها، وهذا شامل للبُشْرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن، والرؤيا الصالحة، والعناية الربانية من الله، التي يرون في خلالها، أنه مريد لإكرامهم في الدنيا والآخرة، ولهم البُشْرى في الآخرة عند الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم، من دوام رضوانه، وبره، وإحسانه، وحلول أمانه في الجنة، ولَمَّا أخبر أن لهم البشرى، أمره الله ببشارتهم، وذكر الوصف الذي استحقوا به البشارة، فقال: {فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} [الزمر: 17 - 18] .

وهذا جنس يشمل كل قول، فهم يستمعون جنس القول؛ ليميزوا بين ما ينبغي إيثاره، مما ينبغي اجتنابه، فلهذا مِن حزمهم وعقلهم أنهم يتَّبعون أحسنه، وأحسنُهُ على الإطلاق كلامُ الله وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما قال في هذه السورة: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23] الآيةَ.

وفي هذه الآية نكتة، وهي: أنه لما أخبر عن هؤلاء الممدوحين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كأنه قيل: هل من طريق إلى معرفة أحسنه حتى نتصف بصفات أُولي الألباب، وحتى نعرف أن من أثره علمنا أنه من أولي الألباب؟ قيل: نعم، أحسنه ما نصَّ الله عليه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23] الآيةَ.

{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ} لأحسنِ الأخلاق والأعمال.

{وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} ؛ أي: العقولِ الزاكية.

ومن لبهم وحزمهم، أنهم عَرَفوا الحسن من غيره، وآثروا ما ينبغي إيثاره على ما سواه، وهذا علامة العقل، بل لا علامة للعقل سوى ذلك، فإن الذي لا يميز بين الأقوال حسنها وقبيحها، ليس من أهل العقول الصحيحة، أو الذي يميز، لكن غلبت شهوتُه عقلَه، فبقي عقلُه تابعًا لشهوته فلم يُؤثِرِ الأحسن؛ كان ناقص العقل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت