بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: 8 - 12] .
وقال موسى: إن كفرتم أنتم - يا بني إسرائيل - والناس كلهم، فإنما ضررتُم أنفسكم، وحرمتموها الخير الذي لا بدَّ لكم منه، وأنتم إليه محاويج، والله غني عن شكركم، حميد مستوجب للحمد بكثرةِ أنعمِه وأياديه، وإن لم يحمدْه الحامدون.
وقوله - تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} ، جملة من مبتدأ وخبر، وقعتِ اعتراضًا، أو عطف الذين مِن بعدهم على قوم نوح، و {لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ} اعتراضٌ، والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما: بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبًا لا يعرفون، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النَّسابون، يعني أنهم يدعون علم الأنساب، وقد نفى الله علمها عن العباد.
{فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ} ، فعضُّوها غيظًا وضجرًا مما جاءتْ به الرسل؛ كقولِه: {عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: 119] ، أو ضحكًا واستهزاءً كمَن غَلَبه الضحك فوضع يدَه على فيه، أو وأشاروا بأيديهم إلى ألسنتِهم، وما نطقتْ به من قولهم: {إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} [إبراهيم: 9] ؛ أي: هذا جوابنا لكم، ليس عندنا غيره، إقناطًا لهم من التصديق، ألا ترى إلى قوله: {فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ} [إبراهيم: 9] ، وهذا قول قوي، أو وضعوها على أفواههم يقولون للأنبياء: أطبقوا أفواهكم واسكتوا، أو ردوها في أفواه الأنبياء يشيرون لهم إلى السكوت، أو وضعوها على أفواههم يسكتونهم ولا يذرونهم يتكلمون، وقيل: الأيدي، جمع يدٍ، وهي النعمة بمعنى الأيادي؛ أي: ردُّوا نعم الأنبياء التي هي أجلُّ النِّعَم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحي إليهم من الشرائع والآيات في أفواههم؛ لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها، فكأنهم ردوها في أفواههم، ورجعوها منه على طريق المثل، {مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ} [إبراهيم: 9] ، من الإيمان بالله، وقُرِئ: (تدعونا) بإدغام النون {مُرِيبٍ} مُوقِع في الريبة، أو: ذي ريبة، من أرابه، وأراب الرجل، وهي قلق النفس، وألا تطمئن إلى الأمر.
{قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} [إبراهيم: 10] .