وقال العلائي رحمه الله: لا يقوم به إلا من منحه الله فهما غامضا واطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم كابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وأمثالهم رحمهم الله أجمعين" (1) وقال الحاكم رحمهم الله:"الحجة فيه عندنا: الحفظ والفهم والمعرفة لا غير." (2) ، يعني بالمعرفة معرفة الرجال ومراتبهم وأحوال الأسانيد وقال السخاوي رحمه الله:"
لم يتكلم فيه إلا الجهابذة: أهل الحفظ والخبرة والفهم الثاقب.""
ومع هذه الشروط الثلاثة المشترطة في الإمام الناقد المعل للأحاديث، هناك شروط أخرى متعلقة بأهلية الناقد للجرح والتعديل، فالناقد جارح بالضرورة إذ لا يتصور عقلا وجود إمام ناقد ليس له أهلية للجرح والتعديل، على اعتبار أن منزلة النقد أعلى وأشمل من منزلة الجرح، إذ قد نجد إماما من الأئمة عالما بالرجال من حيث التوثيق والتضعيف (كابن شاهين مثلا) ولا نجده من المعروفين بالنقد فعلم العلل الذي موضوعه النقد غير علم الجرح والتعديل، ولكن لا يتصور وجود عالم بالنقد والإعلال غير عالم بالجرح والتعديل إذ علم علل الحديث لا يقوم إلا على العلم بالرجال والأسانيد ولهذا كانت شروط الجارح متضمنة في الإمام الناقد لذلك قلت فيه: (وأن يكون) أي الإمام الناقد متوفرا على شروط الجارح وهي شروط المعدل والمجرح (مستوفيا لها) بتحققها فيه (بنص واضح) أي بتنصيص الأئمة وشهادتهم له بذلك أو بشهرته واستفاضته بذلك بين أهل العلم بالحديث فلا يحتاج مع استفاضة إمامته إلى نص من إمام كأمثال الإمام أحمد وغيره.
وذلك (بان يكون ورعا) من أهل الورع والتقوى حتى لا يحمله قلة وتقواه على الطعن في الرواة بغير موجب للجرح (ومعدلا) بفتح الدال أي عدلا ثبتت عدالته بنصوص الأئمة أو الاستفاضة وهما طريقا ثبوت العدالة عند الأئمة، (ومدركا للقدح) أي له علم يردك به دواعي القدح وموجباته فلا يجرح
(1) النكت على ابن الصلاح 2/ 777
(2) معرفة علوم الحديث 112 - 113