6 -ومما يؤكّد أنّ بيلاّمي إنما أُتي من حيث ضعفه في اللغة العربية، أنّ ما اقترحه بديلًا للفظ (( قيله ) )، وهو قوله (( قبله ) )لا يتناسب إطلاقًا مع ادّعاءاته هذه. فإنّا لو سلّمنا جدلًا بدعواه - مع أننا على يقين لا يتزعزع من بطلانها - فإنّ المناسب أن يقال (( قبلها ) )وليس (( قبله ) )، لأنَّ الآية -وهي التي يعود إليها الضمير- مؤنثة وليست مذكّرة [1] .
هذا ما فعله المستشرق بيلاّمي وغيره ممن نصبوا أنفسهم حكَّامًا على القرآن الكريم [2] ، معتمدين في ذلك -كما قد رأينا- إما على فهم سقيمٍ، أو تأويل تعسفي ليس له ما يبرره علميًا. ضاربين عرضَ الحائط بجميعِ الطُّرق والروايات المتواترة الصحيحة التي نُقل بها القرآن الكريم حرفًا حرفًا عبر الأجيال والعصور.
فأي ميزان وأي منطق يجيز لنا أن نثق بأوهام هذا المستشرق أو ذاك (لعل كذا .. ربما كذا .. ويحتمل أنّ الناسخ الفلاني أو العلاني ... الخ) ، ونُعْرض عن الروايات التي ثبت رسوخها أمام قواعد النقد الصارمة، وما تناقله القرّاء والحُفّاظ خلال ما يزيد عن أربعة عشر قرنًا بالإجازات المسندة!
وهل يقبل بيلاّمي أو غيره أنّه كلما استعصى فهمُ كلمة إنجليزية على باحث ألماني أو العكس، ادّعى أنّ الكلمة المستعصية لا محلَ لها من تلك اللغة، وأنّه يجب تغييرها لكونها خطأً؟ هذا بالضبط ما يريده بعض المستشرقين حيال القرآن الكريم، وقد اغترّوا ببضاعتهم المزجاة في اللغة العربية ومفرداتها فتصوّروا أنهم فيها موسوعة متنقلة.
ففي ضوء ما تقدّم، وبناءً على ما عُرف عن بعض هؤلاء المستشرقين من سعة الاطّلاع، يأتي سؤال مُلحٌّ ومحوريّ، ألا وهو: هل ثمة ما يبّرر علميًّا كل ما تقدّم من تخبطات استشراقية، وأخرى لم تُذكر خشية الإطالة؟ أم أنّ للمستشرقين هدفًا غير علميّ،
(2) ومن هؤلاء أيضًا: المستشرق الفرنسي ريجيس بلاشير (Regis Blachere) . وقد تناول جانبًا من أقاويله بالنقد كلٌّ من: الشيخ فودي سوريبا كمارا في بحثه: (( دراسة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية التي أعدّها ريجيس بلاشير ) )، و الشيخ يوسف الهمذاني بن الشافعي في بحثه: (( ترجمة معاني القرآن الكريم من قبل بعض الفرق الضالة ) ). (وكلاهما من بحوث ندوة ترجمة معاني القرآن الكريم؛ تقويم للماضي وتخطيط للمستقبل، المنعقدة في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف عام 1423 هـ) .