وحتى بعد ما ظهر في الحِقبة الأخيرة جيل من المستشرقين دعوا إلى تحرير الاستشراق من الأهداف التنصيرية، والاتجاه به نحو بحث علمي مستقلّ يستهدف المعرفة وحدَها، فافتُتحت في أكثر من بلد غربي أقسامٌ للدراسات الشرقية أو العربية أو الإسلامية في الجامعات [1] ، إلا أنَّ المتتبع لكتابات هؤلاء المستشرقين الجُدد أو مناهج تلكم الأقسام وآثارها المدمِّرة، المتمثلة في خريجيها وطلابها من أبناء المسلمين خاصةً وما يحملون من أفكار، يجد أنَّ الاستشراق ما زال مادة مناسبة للتنصير وسندًا قويًا له، لا سيما في مجال التشكيك في الإسلام وحجب محاسنه وتشويه صورته. فمنذ زمن ليس ببعيدٍ دعت واحدة من خريجات هذه المناهج وتلكم الأقسام إلى إقصاء علماء المسلمين عن القيام بأي بحث علمي يتعلَّق بالقرآن الكريم؛ لأنهم -في نظرها- ليسوا مؤهَّلِين لإجراء بحث كهذا بسبب إيمانهم [2] . وهكذا جَعَلتْ الإيمانَ بالله وبرسوله وبكتابه نقيصةً، أما الكفر بهم فمؤهِّلٌ علمي بحثيٌّ رفيع يمتاز به المستشرقون وحدهم إذا تعلّق الأمر بالقرآن الكريم!
ومع هذا، والتزامًا بما علَّمنا ديننا الإسلاميّ من الإنصاف والعدل حتى مع من لا يدين به [3] ، فإني أقول -وبكل وضوحٍ-: إنَّ الاستشراق ليس كله تنصيرا، والتنصير ليس كله استشراقًا. فهنالك مستشرقون -وإن قلّوا- هدفهم علميّ بحت، ودافعُهم حبُّ الاطّلاع على حضارات الأمم وأديانها وثقافاتها ولغاتها، من غير تعمّد الدس والتحريف، وأبحاث هؤلاء غالبًا ما تكون أقربَ إلى الحقيقة، وألصقَ بالمنهج العلمي الأصيل. بل وُجد منهم من قادته الحقائق التي اكتشفها عن الإسلام إلى اعتناقه، وأحد هؤلاء هو المستشرق الفرنسي الطبيب موريس بوكاي (Maurice Bucaille) الذي قال بالحرف:
(1) انظر: التبشير والاستشراق للطهطاوي ص 40.
(2) وهذه امرأة عربية (( مسلمة ) )- لا أرى حاجة لذكر اسمها- تعمل أستاذةً في جامعة أمريكية، وعُيّنت مؤخرًا في منصب محرّرٍ لـ (( دائرة المعارف القرآنية ) )المعدّة من قبل دار نشر غربية عالمية مشهورة.
(راجع: Al-A'zami, M.M. The History of the Qur'anic Text from Revelation to Compilation ... p.321) .
(3) يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .