رجال الدّين، ولا عند رجال السياسة، ولا حتى عند عامة الباحثين منهم. فلا تدرّ عليهم هذه الكتابات المنصفة مالًا ولا ربحًا، ويجدون صعوبة في قبول أبحاثهم للنشر في الدوريات الاستشراقية، وقلّما ينادون للمشاركة في المؤتمرات والندوات [1] . ولذلك يلاحظ أنّ وجودهم واستمرارهم على النهج نفسه غالبًا ما يكونان مرهونَيْن بتوافر موارد مالية خاصة لهم، تعينهم على الانصراف إلى الاستشراق بأمانة وإنصاف، لا من أجل مكسب ديني أو مادي؛ سياسيًا كان أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا [2] .
الملحوظة الثالثة: صحيحٌ أنَّ هؤلاء المستشرقين العلمِيِّين أقلُّ خطأً من غيرهم في فهم الإسلام وتراثه، بَيْد أنَّ الواقع أنَّ الخطاب الاستشراقي بمعسكرَيْه المُنْصِف والمُجْحِف لا يسلم غالبًا من أخطاء. وأحيانًا تكون هذه الأخطاء قد بلغت من السذاجة ما يجعل المرء يتساءل: هل يستحق مرتكبوها الألقابَ العلمية البرّاقة التي أُلبِِسوها؟! ولا أجد مندوحةً من ضرب مثال واحدٍ فقط على مثل هذه الأخطاء المضحكة المبكية.
فقد زعم أحد المستشرقين [3] أنّ تفسير الجلاليْن من تأليف رجلٍ وابنه، الأب هو: جلال الدّين السيوطي، والابن هو: جلال الدّين المحَلِّي! ولا أريد أن أعلّق بشيء على هذا الهراء؛ لأنه لا يستحقه في الحقيقة. وإنما أذكّر القارئ الكريم فقط بأنَّ جلال الدين السيوطي (الأب في زعم المستشرق) هو: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد، أبو الفضل، عاش بين 849 - 911 هـ/ 1445 - 1505 م. أما ابنه - حسب ما أتحفنا به المستشرق- وهو: محمدٌ بن أحمد بن محمد، أبو عبدِ الله، فقد وُلد قبل (( أبيه! ) )السيوطي بثمانٍ
(1) انظر: الاستشراق في الأدبيات العربية، للأستاذ الدكتور علي بن إبراهيم النملة ص 56.
(2) بتصرّف من: الاستشراق والمستشرقون، للسباعي ص 19.
(3) هو المستشرق روبرت روبرتس (Robert Roberts) في كتابه: القوانين الاجتماعية في القرآن (The Social Laws of the Qoran) ص 120 - 121.