لقد استند جولدزيهر في ادِّعاء هذه الأمور العِظَام إلى رواية ساقطة متهافتة نقلها من كتاب حياة الحيوان للدميريّ! وهو كتاب لم يكن صاحبه مؤرّخًا، ولا كان الكتاب نفسه كتاب تاريخ، وإنما قصد مؤلِّفه أن يحشر فيه كل ما يرى إيراده من حكايات ونوادر تتصل بموضوع الكتاب، من غير أن يكلّف نفسه عناء التحقق ولا البحث عن صحتها.
يقول حاجي خليفة: (( حياة الحيوان للشيخ كمال الدين محمد بن عيسى الدميري الشافعي، المتوفى سنةَ ثمان وثمانمائة. وهو كتاب مشهور في هذا الفن، جامع بين الغث والسمين ) ) [1] . وهكذا يعرض جولدزيهر عن كلّ ما دُوّن من تاريخ أبي حنيفة تدوينًا علميًا ثابتًا، ويعتمد رواية مكذوبة لا قيمة لها في ميزان البحث العلمي.
فأبو حنيفة من أشهر أئمة المسلمين الذين تحدثوا عن أحكام الحرب في الإسلام حديثًا مستفيضًا، وآثاره الفقهية مما تناقله أصحابه وأتباع مذهبه خير شاهدٍ على هذا. وكان الأجدر بجولدزيهر لو كان يبحث عن الحقيقة ويتحرّاها، الرجوع إلى المصادر الموثوقة في السير والمغازي، ولا سيما ما سطّره تلاميذ الإمام أبي حنيفة وأصحابه الذين أخذوا عنه مباشرةً [2] ، ليعرف إن كان الإمام جاهلًا بأحداث السيرة أم عالمًا بها.
أما الحكايات الملفقة والموضوعة للمسامرة والتندّر، سواءٌ مِنْ قِبَل محبي أبي حنيفة أو من قِبَل خصومه، فلا نعلم في الدنيا أي منهج علمي يقبل الاستناد إليها، فضلًا عن استنباط أمرٍ كلّي ذي خطورة بالغة منها، كما فعل هذا المستشرق [3] .
وفي المقابل نجد عالمًا غربيًا آخر يعدّ من أشهر المستشرقين الهولنديين، بل في العالم قاطبةً. أعني بذلك: المستشرق ونسنك، الذي وضع -مشكورًا- مع آخرين المعجمَ
(1) كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لمصطفى بن عبد الله الرومي الحنفي الشهير بـ حاجي خليفة 1/ 696، وانظر كذلك: أبجد العلوم للقنوجي 2/ 260.
(2) كالرد على سِيَر الأوزاعي للقاضي أبي يوسف، و السِير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، وغيرهما.
(3) الاستشراق والمستشرقون - ما لهم وما عليهم، للدكتور مصطفى السباعي ص 45 - بتصرّفٍ.