ولهذا كان الجهاد، وكان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خطيْن موازييين لنبض الإيمان في القلوب، وانطلاقة الأمة براية التوحيد والفتوحات في الأرض. فكانت المنابر وحلقات العلم، ونهوض العلماء بواجبهم في النصح للولاة، وتعليم المسلمين ووعظهم، وإشاعة الحق والخير والعدل في المجتمع المسلم، ويقظة الجميع تجاه الأخطار التي تهدد هذا الخير من الداخل أو الخارج، كان كل ذلك من أهم معالم الخيرية في أمة الإسلام، ذلك الوصف الذي استحقته عن جدارة من القرآن الكريم في قول الله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} .
وبقيت هذه الخيرية زمنًا طويلًا، ثم خلف من بعد هؤلاء الأخيار من أجدادنا خَلْف أضاعوا الدين واتبعوا الشهوات، فقلت فينا الخيرية واضمحلت، بمقدار ما اضمحل فينا العمل لهذا الدين العظيم، وغاب عنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فدب الوهن، وزاد الضَّعف، وسقطت الهمم، فتغلب العدو، فأشعل في ديارنا الحرائق التي راحت تأكل الأخلاق والفضائل التي كنا بها خير الأمم، ولما قام منا أخيار من أهل العلم ورجالات الإسلام يطفئون تلك النيران، ويستنهضون الهمم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لم تستجب الأمة بالقدر الكافي، وتباطأت .. ، فاستضعف الطغاةُ هؤلاء الصالحين فقتلوهم وسجنوهم وكبلوا الدعوة في كثير من بلاد المسلمين، وأطلقوا أعداءها في حملات طاغية تهدد أصول الدين وفروعه، وتخدر المجتمع كله، وتسوقه إلى الجهل والرذائل.
وكانت الصحوة الإسلامية المباركة التي أدرك نفر من أبنائها البررة أن السكوت على هذا الاجتياح الخطير لقيم الإسلام وشريعته وعقيدته خيانة للدين، فقاموا يدعون إلى الله، ويعلمون الناس أمور دينهم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويصلحون ما استطاعوا ما أفسد الطغاة، لكن الطغاة استعملوا ضدهم كل ألوان العسف والظلم، ونفد صبر البعض، فرأوا - متعجلين _ أن الدعوة المحاصرة والمكبلة غير قادرة وحدها على تخليص الأمة من هذا الطوفان الجارف الذي أغرق البلاد بالفساد والزندقة، ورأوا كذلك - مجتهدين متعجلين - أنه لابد أن تخرج بعض السيوف من غمدها لتدفع عن نفسها العدوان، أو تثأر لدم أريق ظلمًا أو كرامة انتهكت عدوانًا، وكان الصراع الدامي غير المتكافىء، وكانت سلبية الأمة في مناصرة هذه السيوف التي اجتهدت وخرجت من غمدها قبل أوانها، وكان شيء