وكان من مهامهم الأساسية أيضًا في ديار المسلمين البحث والتنقيب عن كتب المسلمين التي حوت علومهم وسجلت تقدمهم في كل مجال من مجالات العلوم، سواء كانت علوم الشريعة الإسلامية أو العلوم التجريبية في الطب والكيمياء والفلك والصناعات وغيرها، فنهبوا كل ما وقعت عليه أيديهم من الكتب والمخطوطات، ونقلوا هذه النفائس إلى بلادهم، وعكفوا على دراستها، بجد ومثابرة.
وعُرفت هذه المجموعات الجوّالة بالمستشرقين، وكانوا أحد الأجنحة الهامة للغزو الجديد للعالم الإسلامي.
وراح هؤلاء يجوبون ديار الإسلام، يؤدون عملهم هذا في هدوء وإتقان وأمان، والمسلمون يرونهم دون أن يفطنوا إلى كيدهم ومكرهم، ونفذوا فينا كما تنفذ سكين القاتل إلى سويداء القلب.
وعلى إثر هذه التقارير، اتخذ الغرب قرارهم بانتقاء مئات من أبناء المسلمين لابتعاثهم إلى بلاد الغرب بوهم الدراسة، بيد أن الهدف كان غير ذلك، فلم يكن هدف الابتعاث سوى إعداد طلائع مثقفة بعض الثقافة الغربية، مفتونة بكل ما هو غربي، كارهة لكل ما يمت بصلة بدين الأمة وأخلاقها وتاريخها، ولما اطمأنوا إلى أنهم صاروا"جاهزين"أرسلوهم على بلدانهم كما يرسل الجراد على الزرع فيأتي عليه، وصبّوهم على أمتهم كما تُصَبّ اللعنات. فعاثوا فينا فسادًا، وأقامهم أسيادهم المستعمرون فينا مقام الأساتذة الموجهين، والعباقرة والمفكرين، وتبوؤا المناصب العالية، فكانوا قادةَ الأمة في الفكر والصحافة والسياسة، وتعاونوا جميعًا، في دعم ما حَملوا من أفكار، وما حُمِّلوا من مهام.
واستحكمت غفلة المسلمين فتلقفوا هذه السموم الوافدة، وابتلعوها كما تبتلع السمكة"الطُّعم".
وهكذا كان حرص الغرب الصليبي على تنويم المسلمين، وقطع صلتهم بدينهم وعلمائهم، وكان سبيلهم إلى ذلك إفساد الناس بالشبهات والشهوات، وساعدهم على ذلك تلاميذهم وعملاؤهم من بني جلدتنا من الساسة والمثقفين.
تلك هي جذور قضيتنا، وأُسّ بلائنا، وأصل حكايتنا.
وكما يُشَخص الطبيب حالة المريض، ويقف على أسباب علته، ويصف الدواء، نحاول أن نشخص حالة الأمة، بعدما وقفنا على جانب من أسباب علتها.
فمن خلال نظرة فاحصة على شعوبنا المسلمة نجدها الآن - في معظمها - شعوبًا مخَدَّرة بالجهل، وحب الدنيا، والانشغال بالشهوات، وقد وهن أمر الدين