فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 544

في نفوس أكثر الناس، وأصبحت تنظر إلى كل شيء من خلال الدنيا ومعانيها وفتنتها وزخرفها، ولم تعد تبصر وراء ذلك شيئًا، ففقدت الرؤيا السليمة، حين أعرضت عن أمر دينها وآخرتها، فعاقبها الله سبحانه بأن أفسد عليها دنياها، فلا تستمتع بشيء منها إلا وهي خائفة ذليلة.

كما رخصت عندها الكرامة، وسهلت عليها المهانة، فأفقدتها هذه الصفات الدخيلة الإحساس، وجعلتها تربة مناسبة ينبت فيها القهر والاستبداد، ويعشش فيها الظلم والفساد.

وتذكرني هذه المعاني بقصة وقعت لأخ من الدعاة في إحدى البلاد العربية الغنية، كان هذا الأخ يقف في"طابور"يقدم أوراقه لاستخراج بطاقة صحية، وكان عدد المتقدمين كبيرًا، وكانت عملية فحص الأوراق تتم ببطء شديد، فتكلم رجل من رعايا إحدى الدول الإسلامية الآسيوية، محتجًا على انشغال الموظف - وهو وافد أيضًا من إحدى الدول العربية - بأوراق رجل تجاوز دوره في الطابور، فزجر الموظف هذا الرجل المحتجّ، فصعّد الرجل من احتجاجه، فخرج الموظف من وراء الحاجز، ودفع هذا الرجل دفعة شديدة، فأمسك الرجل بيدي الموظف مدافعًا عن نفسه، فقام ذاك الموظف المفتون بصفعه صفعة شديدة على وجهه سقط على إثرها ذلك الرجل المسلم البسيط على الأرض، فانتفض ذلك الأخ الداعية، واندفع ثائرًا، وظل ينادي في الناس ويصيح مندداُ بهذا الظلم، ويخاطب ذلك الموظف بانفعال وغضب، إنك ظالم، أين تحسب نفسك؟، وأين نحن؟، هل نحن في"لاظوغلي"أو في السجن الحربي حتى تضرب هذا الإنسان المسلم بهذه الطريقة المهينة؟!، أيها الناس: هذا حرام. لكن أحدًا من الناس لم يتحرك، ولم يساند هذا الأخَ الثائر أحدٌ، بل حافظ كل واحد على مكانه في الطابور، وراح هذا الأخ الداعية يواسي الرجل المضروب، ويحثه على أن يرفع ضد هذا الظالم شكوى إلى الشرطة، ويؤكد له أنه سيذهب معه إلى المحكمة أو إلى أي مكان ليأخذ حقه.

وبينما كان الأخ الداعية مذهولًا بتداعيات ذلك الموقف المؤسف، تقدم موظف آخر زميل ذلك الظالم، وربّت على كتف المظلوم، وتناول منه أوراقه، وسحبه برفق فانسحب معه، ودخل المكتب، وجاء موظف آخر، وتقدم من أخينا الثائر، ومد يده ليتناول منه أوراقه ليخلص له معاملته، فرفض الأخ، وقال له: لماذا تأخذ أوراقي؟! إن أمامي أربعة أشخاص، وسأقدم أوراقي في دوري، ورفض أن يشتروا سكوته بإنهاء معاملته قبل غيره.

ثم بعد قليل خرج الرجل المظلوم، وقد انتهت معاملته، ومرّ بجوار الطابور وهو يبتسم لهذا الانتصار، لقد انتهت أوراقه، ومضى لحاله، وبقي الأخ الغاضب لأجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت