فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 544

عند معاني التوكل على الله، والثقة الكبيرة في نصر الله وتأييده، وصدق اللجأ إليه سبحانه وقت الشدة، قف بني عند حب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرسولهم الكريم وتفديتهم إياه بأنفسهم، ماذا يعني قول هذا الصحابي حين طعن طعنة الموت: فزت ورب الكعبة؟ وماذا يعني قول الله تعالى {تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزَنًا ألا يجدوا ما ينفقون} ، هل أدركت معنى ضراعة النبي صلى الله وسلم وشدة مناشدته لربه قبل المعركة.

إن الولد سيدرك قطعًا بعد معايشته أحداث هذه الغزوة بعقل واع، وحسٍ يقظ، وقلب حي معاني ما كانت لتدرك وتستقر في أعماقه وتشكل سلوكه وتؤسس مشاعره لو أنها قُدمت له نصائح نظرية مجردة، إنه بعد هذه المعايشة سيوقن أن النصر من عند الله وحده، وأن الأمر كله بيده سبحانه، وأنه المعز المذل، وأنه القادر على كل شيء، وأنه القاهر فوق عباده، وأنه سبحانه ولي الصالحين، وعندها ستمتلئ نفسه بالإيمان، وتفعم بالحب لله المنعم، وبالرهبة والرغبة والخوف والخشية والتعظيم له سبحانه، وتنصاع لأمره راضية خاشعة.

إن قراءته الواعية للغزوة بعقله وفؤاده ستفتح له آفاقًا واسعة من العلم والفهم وتعينه على إدراك عميق لمعاني عظيمة، منها أنها ستقدم له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة إيمانية عملية، سيرى جهادهم وإخلاصهم وحبهم للشهادة، وحقارة الدنيا كلها في أعينهم، وعظم أمر الآخرة عندهم، سيرى الإيثار يرفع أقدارهم فيستحي هو أن تهبط به الأثرة، ويرى الإقدام يشرفهم عند الله وعند المؤمنين، فيأنف أن يزري به الجبن والتخاذل، وسيرى البذل والتضحية والإنفاق في سبيل الله تعالى ينبيء عن إيمان كبير وثقة في الله الرزاق المنعم، ويقين أنه تبارك اسمه لا يضيع عنده أجر المحسنين، يرى ذلك فيفرِق من أن يكون بخيلًا ممسكًا فتتراخى قبضته عن الدنيا ومعانيها رغبة فيما عند الله.

إنه حين يقرأ في السيرة النبوية العطرة عن غلامين يتطاولان في الصف فيقفان على صخرة ليبدوان أكبر من سنهما، فيجيزَهما النبي صلى الله عليه وسلم في صفوف المجاهدين فيشتركا في المعركة، والمعركة ليست نزهة ولا رحلة للعب، إنها سيوف تبرق، ودماء تنْزف، وجراح، واستشراف للشهادة والجنة، وإصرار وعزم على نصرة الإسلام ورفع لوائه، إنه سوف يتساءل: ما الذي يدفعهما إلى هذا المرتقى السامق من المكارم والمعالي ولما يزالان في سن الغلمان، لابد أن ثمة تربية إيمانية دقيقة مبصرة قد أثمرت هذا الحال العجيب لغلامين مسلمين، فيطلب هذا الحال من معينه، ويتعرض لأجوائه.

وسوف يقرأ في السيرة قصة ابني عفراء وهما يتسابقان فينقضا كالصقور على الطاغية العنيد أبي جهل، يأمل كل منهما أن يفوز بهذا الشرف الكبير، وليكن دون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت