فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 544

تمهيد وتأصيل:

وبعد فإن مسألة المظاهرات والاعتصامات التي تعبر الجماهير من خلالها عن احتجاجها واستيائها من سياسة الدولة فيما يقع عليهم من مظالم في دينهم أو دنياهم هي من مسائل النوازل، حيث لم تكن المظاهرات وسيلة معمولا بها في العصور الثلاثة الأولى ولذلك لا نجد أقوالا للصحابة أو التابعين حول هذا الأمر.

على أن ثمة إيماءاتٍ يلحظها بعض الدارسين لا ترقى أن تكون أدلة قاطعة أو شواهد قاضية بجواز أو منع، ولهذا كان السبيل لبحث المسألة هو النظر في الأدلة العامة والخاصة للواقعة، والتأمل في ظروفها الموضوعية، ومراعاة اقتضاءات الأحوال، وقواعد الضرورات والحاجات، وما تقتضيه سياسة الخلق بالشرع.

فمما تقرر في أصول البحث والإفتاء أن يستشرف المفتي أو الباحث آثار الفتوى حالا ومآلا ويقابل بين المصالح والمفاسد، ثم يفتي بما ينتهي إليه نظره، وألا يحجم عن إعمال آلة الفقه وقواعد الاستنباط مخافة الخطأ في مسألة ليس له فيها سلف، فإن إتعاب الفقيه نفسه في النظر والتدقيق، والسبر والتحقيق، واجب عليه أو كما يسميه ابن القيم واجب الوقت.

فهذه النازلة محل البحث تتطلب تصورها على حقيقتها وتجريدَها مما ليس من جوهرها وأصلها، فإذا ذهب الباحث إلى الحكم بمنع هذه الوسيلة لأن المتظاهرين يتلفون بعض المرافق، أو يختلط الرجال فيها بالنساء أو يستعملون السلاح ضد رجال الأمن والشرطة أو أنهم يطالبون بالإذن بأمور منكرة مخالفة للشرع، فهذا المفتي لم يتعامل مع النازلة تعاملا علميا يبدأ بتصور المسألة وتجريدها مما قد يلابسها في بعض الحالات، فالحكم على الشيئ فرع عن تصوره من الوجه الذي يناط به الحكم.

ثم ينبغي أن يعطي الباحث أو المفتي المسألة وصفها الفقهي ويرجعها إلى أصلها الشرعي، وهذا يتطلب فهم المسألة فهما صحيحا وتصورها تصورا تاما، كما يتطلب المعرفة بأحكام الشريعة وقواعدها، والعلم بدلالات الألفاظ الشرعية وطرائق الاستنباط.

فثمة نوعان من الفهم لابد منهما للمفتي: الأول: فهم الواقع، والفقه فيه، والثاني: فهم الواجب في الواقع، كما بين ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين.

المرتبة الأخيرة: إصدار الفتوى، بعد توصيفها (فهم الواقع والفقه فيه) ، ثم تنزيل الحكم الشرعي على النازلة، وهناك تنزيل عام وتنزيل خاص، فالتنزيل العام أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت