يعطي جنس النازلة جنس الحكم، والنازلة التي نحن بصددها هي باب من التظلم والمطالبة بحقوق مهضومة، والمناداة برفع الظلم ومنع المنكرات أو التوزيع العادل للثروات، فهي مندرجة في الاحتساب إن كان الاحتجاج على منكرات موجودة، كما تدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمطالبة بالحقوق.
فإذا كان التوصيف المذكور سالما من الاعتراض، فالحكم أن المظاهرات والاعتصامات المعبرة عن الاحتجاج على مظالم واقعة، أمر مشروع قد يرقى في بعض صوره إلى الاستحباب أو الوجوب.
هذا حكم عام، أما الحكم الخاص فيكون إذا اشتمل الوصف على أوصاف جانبية خالطت الوصف الأصلي، كأن تشتمل الاعتصامات والمظاهرات على أمور منكرة كإتلاف المرافق العامة وتخريب الممتلكات العامة أو الخاصة بالتكسير أو إضرام الحرائق، أو الإضراب عن العمل فتتعطل مصالح الناس ويتضررون بذلك، أو المطالبة بالسماح ببعض المنكرات وتقنينها، أواختلاط النساء والرجال بما يدعو إلى الفواحش والفجور، ونحو ذلك مما قد تشتمل عليها بعض المظاهرات في بعض البلدان وبعض الأحوال، فإن الحكم حالئذ يختلف حيث تغير مناطه، فيكون الحكم بالمنع مستندًا إلى تلك المفاسد التي دخلت على أصل المسألة.
وأمر تنزيل الحكم على المسألة هو أخطر مراتب الاجتهاد، كما يقول د. خالد بن عبد الله بن علي المزيني في دراسته القيمة في فقه النوازل"إنَّ المشكلة لا تكمن في وفرة المعلومات الفقهية التي تختزن في ذاكرة الفقيه فقط، ولا في مدى معرفته بالواقعة فقط، بقدر ما تكمن في التوفر على الفقه بالشرع؛ والوعي بالواقع، والاقتدار على سياسة هذا بذاك". اهـ
فاحتشاد الناس واجتماعهم للتعبير عن رأي أو المطالبة بحقوق مهضومة دينية كالمطالبة بتحكيم الشريعة ومنع المنكرات الظاهرة كوجود الخمور أو أماكن للفساد الأخلاقي كالسينما أو الشواطئ التي ترتكب عندها المنكرات، أو المطالبة بحقوق مدنية دنيوية كالعدالة في توزيع الثروات، وتوفير الوظائف، أو حق الشعب في الرقابة على بيت المال وسائر شئون الدولة، ومساءلة ولاة الأمر عما يقع في المجتمع من مظالم، هذا الخروج لأجل تلك المطالب لا يوجد في الشرع ما يمنعه، بل هو حق للناس، وهو من التعاون على البر والتقوى، وهو محمود في الشرع، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو من أوجب واجبات الدين كما يقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإن تضمن هذا الاجتماع والتظاهر إتلاف مرافق الدولة أو الإضرار بمصالح الناس كأن يصحبه إضراب عن العمل تتعطل فيه مصالح الناس فقد اشتمل على الإثم والعدوان وهو محرم فلا يجوز التعاون عليه، فإن خلا من ذلك فلا بأس به.