فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 544

انطلق المؤمنون مهاجرين جماعات ووحدانا، وقد تعرض كثير منهم للأذى والبلاء حال هجرته، وكان ممن تعرضوا للبلاء أم سلمة التي منعها أهلها من الهجرة مع زوجها، ونزع أهل زوجها ابنها منها فتجاذبوه حتى خلعوا ذراعه، فهاجر أبو سلمة وحده، وبقيت أم سلمة في أحزانها على فراق زوجها وولدها حتى استرجعت بعد مدة ولدها، ولحقت بزوجها وتمت لها هجرتها.

كما وقع لصهيب أن أمسكه المشركون حين خرج مهاجرًا وخيروه بين ماله وبين السماح له بالهجرة، فاختار الهجرة وشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله كما هو شأن كل مهاجر صادق فربح بيعه.

وهاجر عمر سرًا أخذًا بأسباب الحيطة والحذر، واستبقى النبي -صلى الله عليه وسلم -أبا بكر الصديق ليصحبه في هجرته حسب الخطة التي رعاها الله، فقد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- جبريل: من يهاجر معي؟ قال جبريل أبو بكر الصديق، كما روى الحاكم في مستدركه عن علي وصححه، ووافقه الذهبي.

أحس المشركون في مكة بخطر تلك الهجرات المتتابعة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفطنوا إلى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لابد أن يلحق بهم، وأنهم هناك في دار هجرتهم سيقوى أمرهم، وتقوم لهم دولة، وتحصل لهم شوكة، ففكروا على الفور في التخلص من النبي صلى الله عليه وسلم.

واجتمعوا في دار الندوة للتشاور في تفاصيل الخطة، واستعرضوا الاقتراحات التي كان أهمها؛ القتل أو السجن أو الطرد من مكة، وتبدى لهم الشيطان في صورة شيخ نجدي فشاركهم المشورة، فسمعوا له، فخذلهم عن فكرة السجن وفكرة الطرد، فاقترح أبو جهل قتله فأيده الشيخ النجدي، فاتفقوا على أن يجمعوا من كل قبيلة فتى شابًا نسيبًا فيضربوا جميعًا محمدًا ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، فتعجز بنو عبد مناف عن حرب قومهم جميعًا فيرضوا بالدية، وانفض المجلس على هذا العزم.

أعلم اللهُ تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم بخبر هذا الاجتماع، فأمر عليًا بالمبيت في فراشه، لإيهام المشركين بأن النائم هو النبي -صلى الله عليه وسلم- كما أمره أن يتخلف عنه ليرد الودائع والأمانات التي كانت عنده للمشركين، وتسلل صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقت الظهيرة، وهو وقت هدأة الرِّجل، وقلة المارة، وذلك لبحث آخر الترتيبات لرحلة الهجرة.

كان أبو بكر قد أعد للرحلة راحلتين، فقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- إحداهما بثمنها، واتفقا على أن يخرجا ليلًا إلى غار ثور، وأن يمكثا فيه ثلاثة أيام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت