فهرس الكتاب

الصفحة 518 من 544

الأحسن من الإغراق في توبيخ المستمعين بذكر ألوان من تقصير المسلمين ومعاصيهم، تشجيع المستمعين والنهوض بهم، ومنحهم الثقة بمثل هذه اللفتات الذكية.

وإننا لنجد في سيرة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أحسن الزاد، وأكمل الرشاد في مثل هذا، فهو الذي نادى على أصحابه حين أذهلتهم المعركة فتفرقوا عنه: يا أصحاب بيعة الرضوان .. يا أصحاب سورة البقرة، لم يقل أيها الفارّون عني، فسرعان ما أفاقوا وتنادوا وعادوا، وكانت تلك النداءات الحانية المشجعة أنفع وأنجع في مثل تلك الحال التي وصفنا.

وفي قوله تعالى {لعلكم تتقون} أن تحصيل التقوى هدف وضيء للمؤمن الموفق، فإن القلوب التي تعمرها التقوى قلوب حية واعية تنفعها الحكمة، وتنديها المواعظ فتثمر فيها إخباتًا وتعظيمًا لله وحبًا له سبحانه، وينشأ من حالة الإخبات والحب والتعظيم فرح بالعبادة وشغف بها فإذا الشاق منها ميسر محبب، وإذا الثقيل منها خفيف تهفو إليه النفس.

فاليسر في العبادات راجع إلى الإيمان الصادق الذي يُقبل صاحبه على تلك العبادات بخضوع ورضى، فلنصدق - يا عبد الله - نجد الصعب سهلًا،، فإن الجوع من أجل الله _ عند أهل الإيمان والصدق _ أحلى من الشبع، والظمأ في الهواجر ألذ عندهم من الرِّيّ، ومن ذاق حلاوة الإيمان عرَف.

وفي قوله تعالى {أيامًا معدودات} فيه أن تقليل مدة العمل للمكلف ينشطه وينهض بهمته، ويوقفه على بعض صفات الله تعالى الوهاب الكريم الذي يكافئ عبده على المشقة اليسيرة بالخير العميم، فهو سبحانه يتقبل منه عملًا هو شرعه له وعلمه إياه وأعانه عليه، ورخص له في تركه إذا تعذر عليه بمرض أو سفر، ذلك أنه يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر.

وإرادة اليسر بالعباد ونفي إرادة العسر تأتي في جو الأمر بالصيام الذي فيه نوع مشقة، إشارة إلى أن المشقة تجلب تيسيرًا، والتيسير هنا ناشئ من حصول التقوى حيث يزداد الإيمان بهذا العمل الصالح فينشرح الصدر، وتصير العبادة واجبًا محببًا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت