أحس المشركون في مكة بخطر تلك الهجرات المتتابعة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وفطنوا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لابد أن يلحق بهم، وأنهم هناك في دار هجرتهم سيقوى أمرهم، وتقوم لهم دولة، وتحصل لهم شوكة ففكروا على الفور في التخلص من النبي صلى الله عليه وسلم.
واجتمعوا في دار الندوة للتشاور في تفاصيل الخطة، واستعرضوا الاقتراحات التي كان أهمها؛ القتل أو السجن أو الطرد من مكة، وتبدى لهم الشيطان في صورة شيخ نجدي فشاركهم المشورة، فسمعوا له، فخذلهم عن فكرة السجن وفكرة الطرد، فاقترح أبو جهل قتله فأيده الشيخ النجدي، فاتفقوا على أن يجمعوا من كل قبيلة فتى شابًا نسيبًا يضربون جميعًا محمدًا ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل، فتعجز بنو عبد مناف عن حرب قومهم جميعًا فيرضوا بالدية، وانفض المجلس على هذا العزم.
أعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بخبر هذا الاجتماع، فأمر عليًا بالمبيت في فراشه، لإيهام المشركين بأن النائم هو النبي صلى الله عليه وسلم، كما أمره أن يتخلف عنه ليرد الودائع والأمانات التي كانت عنده للمشركين، وتسلل هو صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر في وقت الظهيرة، وهو وقت هدأة الرِّجل، وقلة المارة وذلك لبحث آخر الترتيبات لرحلة الهجرة.
كان أبو بكر قد أعد للرحلة راحلتين، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم إحداهما بثمنها، واتفقا على أن يخرجا ليلًا إلى غار ثور، وأن يمكثا فيه ثلاثة أيام حتى يهدأ الطلب، واستأجرا مرشدًا ذا خبرة بالطرق، وهو عبد الله بن أرقد أو أريقط - وكان على دين قومه - وزودتهما أسماء بنت أبي بكر بزاد، وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما في الليل في الغار ومعه الأخبار، ويعود إلى مكة قبل الفجر فيصبح بين الناس إذ كان لابد من