فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 430

الناس به في الآخرة بأمثال مضروبة لتفهيم ما يقوم بالنفس بعد الموت من اللذة والألم، لا بإثبات حقائق منفصلة يتنعم بها، ويتألم بها" [1] ."

وحقيقة قول هؤلاء أن الله لم يكن صادقاً في إخباره عن حقائق ما في المعاد، وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك سمى شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الصنف من المتفلسفة المخالف لما عليه المسلمون في أمر المعاد (بأهل التخييل) ، وقال فيهم:"فأهل التخييل"هم المتفلسفة ومن سلك سبلهم، من متكلم ومتصوف ومتفقه، فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر إنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بيَّن به الحق، ولا هدى الخلق، ولا أوضح الحقائق" [2] ."

المطلب الأول: تصنيف المكذبين بالبعث والنشور:

يمكن تصنيفهم إلى أربعة أصناف:

الأول: الملاحدة الذين أنكروا وجود الخالق، (و هم الصنف الأول من الدهرية حيث أنكروا المبدأ والمعاد) ومن هؤلاء كثير من الفلاسفة الدهرية الطبائعية، ومنهم الشيوعيون في عصرنا. وهؤلاء ينكرون صدور الخلق عن خالق، فهم منكرون للنشأة الأولى والثانية، ومنكرون لوجود الخالص أصلاً.

ولا يحسن مناقشة هؤلاء في أمر المعاد، بل يناقشون في وجود الخالق ووحدانيته أولاً ثم يأتي إثبات المعاد بعد ذلك، لأن الإيمان بالمعاد فرع الإيمان بالله.

الثاني: الذين يعترفون بوجود الخالق، ولكنهم يكذبون بالبعث والنشور، (وهم الصنف الثاني الدهرية من مشركي العرب ومن وافقهم) ومن هؤلاء العرب الذين قال الله فيهم: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [لقمان: 25] وهم القائلون فيما حكاه الله عنهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ - لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [النمل: 67 - 68] .

وهؤلاء يدَّعون أنهم يؤمنون بالله، ولكنهم يَدَّعون أن قدرة الله عاجزة عن إحيائهم بعد إماتتهم، وهؤلاء هم الذين ضرب الله لهم الأمثال، وساق لهم الحجج والبراهين لبيان قدرته على البعث والنشور، وأنه لا يعجزه شيء. ومن هؤلاء طائفة من اليهود يُسمون بالصادوقيين، يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا بتوراة موسى، وهم يُكذبون بالبعث والنشور والجنة والنار.

فهم مقرون بالبداءة، وأنَّ الله تعالى: ربّهم وخالقهم وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87] ومع هذا قالوا: إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ [الدخان:35] فأقروا بالبداءة والمبدئ، وأنكروا البعثَ والمعاد، وهم المذكورون في حديث أبي هريرة الصحيح: (( وأما تكذيبه إيَّاي فقوله لَنْ يعيدني كما بدأني، وليس أوَّلَ الخلقِ بأهون عليَّ مِنْ إعادته ) ) (1) . معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - 2/ 939

الثالث: الذين يؤمنون بالمعاد على غير الصفة التي جاءت بها الشرائع السماوية. (ملاحدة الجهمية ومن وافقهم)

أقروا بمعاد ليس على ما في القرآن ولا فيما أخبَرَتْ به الرسل عن الله عز وجل، بل زعموا أنَّ هذا العالم يعدم عدماً محضاً، وليس المعاد هو بل عالم آخر غيره، فحينئذٍ تكون الأرض التي تحدّث أخبارها وتخبر بما عمل عليها من خير وشر ليست هي هذه، وتكون الأجساد التي تعذب وتجازى وتشهد على من عمل بها المعاصي ليست هي التي أعيدت بل هي غيرها، والأبدان التي تنعم في الجنة وتثاب ليست هي التي عملت الطاعة ولا أنَّها تحولت من حال إلى حال، بل هي غيرها تُبتدأ ابتداءً محضاً، فأنكروا معاد الأبدان وزعموا أنَّ المعادَ بداءة أخرى! معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول لحافظ بن أحمد الحكمي - 2/ 940

(1) مجموع الفتاوي: 13/ 238.

(2) مجموع فتاوي شيخ الإسلام: 5/ 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت