فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 430

وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال صلى الله عليه وسلم في أبي سلمة:"اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه" (1)

والدعاء شفاعة; كما قال صلى الله عليه وسلم"ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا; إلا شفعهم الله فيه".

إشكال وجوابه:

فإن قيل: إن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه سبحانه; فكيف يسمى دعاء الإنسان لأخيه شفاعة وهو لم يستأذن من ربه؟

والجواب: إن الله أمر بأن يدعو الإنسان لأخيه الميت، وأمره بالدعاء إذن وزيادة وأما الشفاعة الموهومة التي يظنها عباد الأصنام من معبوديهم; فهي شفاعة باطلة لأن الله لا يأذن لأحد بالشفاعة إلا من ارتضاه من الشفعاء والمشفوع لهم.

فشفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم وقد وافقت المعتزلة على هذه الشفاعة.

قال القاضي عياض:"وهذه الشفاعة لا تنكرها المعتزلة ولا تنكر شفاعة الحشر الأول" (2) . ودليل هذا النوع: ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه لما أصيب عمه أبو عامر في غزوة أوطاس فلما أخبر أبو موسى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع يديه وقال:"اللهم اغفر لعبيد أبي عامر واجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك" (3) .

ويمكن أن يستدل لهذا النوع من الشفاعة بقوله تعالى: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور:21] ، فإلحاق الذرية يكون برفع درجاتهم، وهذا فيه أن هذه الشفاعة -وهي شفاعة رفع الدرجات- ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

1 من حديث أم سلمة, رواه مسلم (كتاب الجنائز, باب في إغماض الميت, 2/ 634) .

2 -ذكره عنه القرطبي في التذكرة ص249.

3 -صحيح البخاري 4/ 103، صحيح مسلم 4/ 1943.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت