فهرس الكتاب

الصفحة 241 من 430

المطلب الخامس: أنواع الشفاعة:(الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية)

وهذا الموضع افترق الناس فيه ثلاث فرق: طرفان، ووسط. فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب، كالنصارى، ومبتدعة هذه الأمة: أثبتوا الشفاعة التي نفاها القرآن. والخوارج والمعتزلة: أنكروا شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم في أهل الكبائر من أمته. بل أنكر طائفة من أهل البدع انتفاع الإنسان بشفاعة غيره ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه عنه. وأنكروا الشفاعة بقوله تعالى: من قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ [البقرة:254] وبقوله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18] ونحو ذلك. وأما سلف الأمة وأئمتها، ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة، فأثبتوا ما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، من شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وغير ذلك من أنواع شفاعاته، وشفاعة غيره من النبيين والملائكة. وقالوا: إنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد، وأقروا بما جاءت به السنة من انتفاع الإنسان بدعاء غيره وشفاعته، والصدقة عنه، بل والصوم عنه في أصح قولي العلماء. كما ثبتت به السنة الصحيحة الصريحة، وما كان في معنى الصوم. وقالوا: إن الشفيع يطلب من الله ويسأل، ولا تنفع الشفاعة إلا بإذنه، قال تعالى: مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ [البقرة:255] وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى [الأنبياء:28] وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى [النجم:26] .

قال الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله في شرح منظومته:

يَشْفَعُ أَوَّلاً إِلَى الرَّحْمَنِ فِي ... فَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَوْقِفِ

مِنْ بَعْدِ أَنْ يَطْلُبَهَا النَّاسُ إلَى ... كُلِّ أُولِي الْعَزْمِ الْهُدَاةِ الْفُضَلاَ

وقد ثبت في (الصحيح) ، أن سيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم إذا طلبت الشفاعة منه بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فيردونها إلى محمد صلى الله عليه وسلم، العبد الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- قال: (( فأذهب إلى ربي، فإذا رأيته خررت له ساجدا، فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي، لا أحسنها الآن فيقول لي: أي محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع وسل تعطه، واشفع تشفع، قال: فأقول: رب أمتي أمتي، فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ) ) (البخاري) .

هذه الشفاعة الأولى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي أعظم الشفاعات، وهي المقام المحمود الذي ذكر الله عز وجل له ووعده إياه وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسأل الله إياه له صلى الله عليه وسلم بعد كل أذان. وقال البخاري رحمه الله تعالى: باب قوله تعالى عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء: 79] حدثنا إسماعيل بن أبَّان حدَّثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي قال سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول (( إنَّ الناس يصيرون يوم القيامة جثاً كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعةُ إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذلك يومٌ يبعثه الله المقام المحمود ) )رواه البخاري (4718) .

وروى الإمام أحمد عن كعب بن مالك أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال (( يُبْعَثُ الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمّتي على تل، ويكسوني ربِّي عَزَّ وجَلَّ حُلَّةً خضراء، ثُمَّ يُؤْذَنُ لي فأقول ما شاءَ اللهُ تعالى أَنْ أقول، فذلك المقام المحمود ) ) (1) .

وعند مسلم وغيره من حديث نزول القرآن على سبعة أحرف (( فلَك بكل ردة رددتكها مسألة تسألنيها. فقلت: اللهمَّ اغفر لأمتي، اللهمَّ اغفر لأمَّتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليَّ الخلق كلُّهم حتى إبراهيم صلى الله عليه وسلم ) ) (2) .

(1) رواه أحمد (3/ 456) (15821) والطبراني (19/ 72) وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح, وصححه ابن جرير في (( التفسير ) ) (9/ 1/181) وقال الذهبي في (( سير أعلام النبلاء ) ) (6/ 284) : إسناده صالح, وقال الهيثمي في (( مجمع الزوائد ) ) (7/ 54) : رجاله رجال الصحيح, وقال ابن حجر في (( فتح الباري ) ) (11/ 434) : أصله في مسلم.

(2) رواه مسلم (820) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت