فهرس الكتاب
وقد قال ابن القيم رحمه الله في تعليقه على سنن أبي داود عند ذكر هذه الشفاعة (الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها) : ولم أقف لها على دليل.
ومما يستدل به لهذين النوعين قوله صلى الله عليه وسلم:"يجمع الله تبارك وتعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم آدم لست بصاحب ذلك. اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله قال فيقول: إبراهيم لست بصاحب ذلك إنما كنت خليلاً من وراء وراء اعمدوا موسى صلى الله عليه وسلم الذي كلمه الله تكليماً. فيأتون موسى صلى الله عليه وسلم فيقول: لست بصاحب ذلك اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه فيقول عيسى صلى الله عليه وسلم لست بصاحب ذلك فيأتون محمداً صلى الله عليه وسلم. فيقوم فيؤذن له. وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط يمناً وشمالاً فيمر أولكم كالبرق"قال قلت: بأبي أنت وأمي! أي شيء كمر البرق؟ قال:"ألم تروا إلى البرق كيف يمر ويرجع في طرفة عين؟ ثم كمر الريح ثم كمر الطير وشد الرحال تجري بهم أعمالهم ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب! سلم سلم حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً"قال:"وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به فمخدوش ناج ومكدوس (1) في النار" (2.)
قال الحافظ بعد أن ذكر النوع الثالث من أنواع الشفاعة:"ودليل الثالثة حديث حذيفة عند مسلم: ونبيكم على الصراط يقول:"رب سلم سلم" (3) ."
فلقد أشار بعض أهل العلم إلى دليل يمكن أن يكون مستنداً في إثبات هذه الشفاعة التي أثبتها أهل السنة والجماعة، وهو ما جاء في الصحيح أن الأنبياء عند الصراط يكون قولهم الذي يلهجون به: (رب سلم سلم) ، فإنه في رواية سهل في صحيح البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيوضع الصراط ثم تحل الشفاعة فأقول: رب سلم سلم) أو: (وعند ذلك حلت الشفاعة فأقول: رب سلم سلم) وهذا دعاء بالسلامة لهم -وهم سالمون من النار- ولأممهم، وهذا الأثر يصلح دليلاً على هذا النوع من أنواع الشفاعة، وهو الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها. واستحقاقه لها كان برجحان سيئاته على حسناته، فهذا هو سبب استحقاق النار، وسبب استحقاق الجنة رجحان الحسنات على السيئات.
بقيت حالة، وهي مساواة الحسنات بالسيئات، وهذا أيضاً مما يستحق به الإنسان النار؛ لأن مساواة الحسنات والسيئات لا تنفعه في تخليصه من المؤاخذة إلا أن ترجح الحسنات على السيئات، فيعاقب -إن شاء الله- حتى تخف كفة السيئات وتثقل كفة الحسنات، وعند ذلك يكون ممن ثقلت موازينه فيدخل الجنة.
فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له -أي: للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فهي ليست خاصة به صلى الله عليه وسلم.
لكن اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نصيبه من هذه الشفاعة أوفر وأعلى من غيره، فالنبي صلى الله عليه وسلم تميز في الشفاعة بأمرين: الأمر الأول: أن الله سبحانه وتعالى خصه بأنواع منها.
الثاني: أن ما يشاركه فيها غيره حظه ونصيبه منها أوفر وأعلى، فهو أوفر الشافعين نصيباً، وأعلاهم حظاً؛ ولذلك فقوله: [وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم] لا يفيد التسوية بين هؤلاء، بل هم على درجات فيها.
قال: [ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها] .
وهذا كثير في السنة مستفيض متواتر، وهو الشفاعة في أقوام دخلوا النار أن يخرجوا منها، وهذا الذي خالف فيه من خالف من الوعيدية وغلاة المرجئة كما تقدم تقريره وبيانه.
وأهل السنة والجماعة يثبتون هذا النوع من الشفاعة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولسائر النبيين والصديقين، بل وللملائكة.
1 -قال في النهاية: أي مدفوع وتكدس الإنسان إذا دفع من ورائه فسقط.
2 -رواه مسلم من حديث حذيفة 1/ 187.
3 -فتح الباري 11/ 428.