وهذا الحديث صريح في أن الموتى يصعقون، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد المرسلين يصعق، فغيره أولى بالصعق.
5 -وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الذي يصعق صعق غشى هم الشهداء دون غيرهم من الأموات، وأضاف إليهم آخرون من الأنبياء."فأُولَئِكَ الشُّهَدَاءُ، وإنَّما يَصلُ الفَزَعُ إلى الأحْياءِ، وأُولَئِكَ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وَقاهُمْ الله فَزَعَ ذلكَ اليَوْمِ وأمَّنَهُمْ والسر في قَصْر هذا على الشهداء والأنبياء - كما يقول شيخ القرطبي: أحمد بن عمر:"الَّذِي يزيح هَذَا الاشكال إِن شَاءَ الله تَعَالَى ان الْمَوْت لَيْسَ بِعَدَمِ مَحْض وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَال من حَال إِلَى حَال وَيدل على ذَلِك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا حال الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء، وخصوصاً بموسى، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى يردُّ عليه روحه، حتى يرد السلام على كل من يسلم عليه، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء .. وإذا تقرر أنهم أحياء، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق، صعق كل من في السماوات ومن في الأرض، إلا من شاء الله فَأَما صعق غير الْأَنْبِيَاء فموت وَأما صعق الْأَنْبِيَاء فَالْأَظْهر أَنه غشية فَإِذا نفخ فِي الصُّور نفخة الْبَعْث فَمن مَاتَ حى وَمن غشى عَلَيْهِ أَفَاق" [1] ."
وذهب إلى أن الشهداء والأنبياء يصعقون صعق غشي لا موت البيهقي فقال في صعق الأنبياء:"ووجهه عندي أنهم أحياء عند ربهم كالشهداء، فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى صعقوا، ثم لا يكون ذلك موتاً في جميع معانيه، إلا في ذهاب الاستشعار، وقد جوز النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون موسى ممن استثنى الله، فإن كان منهم فإنه لا يذهب استشعاره في تلك الحالة بسبب ما وقع في صعقة الطور" [2] .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: ("بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ , أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا) (لَمْ يَرْضَهُ، فَقَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ, فَلَطَمَ وَجْهَهُ وَقَالَ: تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، وَفُلَانٌ لَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ , إِنَّهُ قَالَ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ,"فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ , ثُمَّ قَالَ: لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (فَيُصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) (فَأُصْعَقُ مَعَهُمْ) (ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى) (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأسَهُ) وفي رواية: (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ) (فَإِذَا مُوسَى - عليه السلام - آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ) (فلَا أَدْرِي، أَكَانَ فِيمَنْ صُعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي , أَوْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَاهُ اللهُ - عز وجل -(فَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ") البخاري و مسلم و أحمد"
و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم (("لاَ تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ، إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالعَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ، أَمْ بُعِثَ قَبْلِي، ) )البخاري و مسلم"
والصعق عندالنفخة بالصور صعقان صعق موت لمن كان حينئذ على قيد الحياة في الدنيا وصعق غشي فيمن تكون حياته حياة برزخية، وعلى هذا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره حصل له هذا الصعق، وموسى يحتمل أن يكون حصل له هذا الصعق ويحتمل أنه لم يحصل له فيكون جوزي بصعقة الطور أو يكون ممن استثنى الله
(1) تذكرة القرطبي: 169.
(2) فتح الباري: (11/ 371) .