إن الإيمان بالبعث مما أجمع عليه أهلُ الأديان السماوية الثلاث: المسلمون واليهود والنصارى، ومما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وليس فيه اختلاف بين فرق الأمة.
ولا ينكر بعث الأجساد إلا الفلاسفة الملاحدة (*) ، ومنهم من دخل في الإسلام وادعى ذلك على الشريعة، كابن سينا (**) ، يقول: إن البعث والجزاء روحاني لا جسماني، فأنكر معاد الأجساد، فجعلوا ما جاء في النصوص أمورا روحانية، وهذا إنكار مع تلبيس.
والقول الحق إن الأجسام تستحيل وتتغير وتتحول من طبيعة إلى طبيعة، وقد ثبت في النصوص ذكر خلقة من يدخل الجنة ومن يدخل النار، وأن أجسامهم تكون ليست على هيئة أجسام الناس في هذه الدنيا؛ بل تختلف اختلافا كبيرا (***) ، ينشئها الله نشأة أخرى تليق بالحياة الآخرة عذابها ونعيمها، وليس البعث إيجادًا من عدم؛ بل البعث إعادة، وهذا هو الذي أنكره الكفار، فإنهم لا ينكرون أن الله يخلق مثلما خلق، فهم يشاهدون أن الله يخلق الأجيال، إنما ينكرون أن يعيد الله ما استحال من أبدانهم وتفرق من أجسادهم أن يعيده: (( أَإِذَا كُنَّا تُرَابَاً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) ) [الرعد: 5] ، (( وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامَاً وَرُفَاتَاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقَاً جَدِيدَاً * قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدَاً * أَوْ خَلْقَاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) ) [الإسراء: 49 - 51] الآيات، (( بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) ) [ق: 15] ، ولهذا أنكر العلماء على جهم بن صفوان ومن وافقه بأن المعاد هو أن يخلق الله الخلق خلقا جديدا ليس بإعادة، ولهذا جعل الله من حجته على المكذبين أن الإعادة في نظر الإنسان وبالنسبة لقدرة الإنسان أهون من الابتداء.
و قد بين تعالى دليل الإمكان بخلقهم الأول، وبين ثبوت وقوعه بدليل كمال قدرته وسعة علمه وذلك مما يؤيد القول ببعث الجسد الأول بعينه. ومما يؤكد أن المعاد هو عين الجسد الأول لا غيره قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ} سورة فصلت آية: 19 ـ 22 .. فهذه الآيات بين الله تعالى فيها أن جوارح الإنسان التي اقترفت الذنوب والآثام هي التي تشهد على صاحبها يوم القيامة بأنه فعل كذا وكذا ولو لم تكن هذه الجوارح هي عين جوارح الإنسان التي كانت في الدنيا لما قبلت شهادتها ولا اعتذرت من الله حين استنطقها وقالت يا الله أنت الحكم العدل لا تظلم أحداً من خلقك فلا تظلمنا بما لم نعمله، أو نشاهده أو لا نعلم عنه شيئاً.
ولكن لم يحصل شيء من الإعتذار، وإنما نطقت وأخبرت بما فعل صاحبها، فعلم يقيناً أنها عين الجسد الأول.
وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك فقال:"هل تدرون مم أضحك؟"قلنا: الله ورسوله أعلم قال:"من مخاطبة العبد ربه بقول: يا رب ألم تجرني من الظلم قال: بلى قال فيقول فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني قال: يقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً وبالكرام الكاتبين شهوداً قال: فيختم على فيه فيقال لأركانه إنطقي. قال فتنطق بأعماله قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام قال: فيقول بعداً لكن وسحقاً فعنكن كنت أناضل".
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ثم يقال: الآن نبعث شاهداً عليك ويتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه أنطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه وذلك المنافق وذلك الذي سيسخط الله عليه"صحيح مسلم.
وإذا كانت أركان الإنسان وسمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه هي التي تتكلم فهل يبقى شك في أن المعاد هو عين الجسد الأول، لا شك أنه لا يبقى أي ريب في قلب المسلم الذي يؤمن بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد أفصح القرآن جد الإفصاح عن معاد الأبدان الدنيوية قال تعالى: {ومنها خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} سورة طه آية: 55 ..
وقال تعالى: {وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً} سورة نوح آية: 17 ـ 18.
وقال تعالى: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} سورة ق آية: 1 ـ 4.
فهذه الآيات القرآنية تنص على أن الخلق يعودون من التراب الذي منه خلقوا، وتشير إلى أدلة الإمكان على ذلك المتمثلة في كمال قدرته ـ سبحانه ـ وسعة علمه ـ جل وعلا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:"قال الحسن البصري ومجاهد: كما بدأكم فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً كذلك تعودون يوم القيامة."
وقال قتادة:"بدأهم من التراب وإلى التراب يعودون كما قال تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى} 5 وقال {فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} ."
فإن الله عز وجل يعيد العباد أنفسهم، ولكنهم يخلقون خلقاً مختلفاً شيئاً ما عما كانوا عليه في الحياة الدنيا , خلق جديد , فمن ذلك أنهم لا يموتون مهما أصابهم البلاء (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ) [إبراهيم: 17] ، وفي الحديث الذي يرويه الحاكم بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قام فينا معاذ بن جبل فقال:"يا بني أَوْدٍ، إني رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم تعلمون المعاد إلى الله، ثم إلى الجنة أو النار، وإقامة لا ظعن فيه، وخلود لا موت، في أجساد لا تموت"ورواه الطبراني في (( الكبير ) )و (( الأوسط ) )بنحوه [1] .
ومن ذلك إبصار العباد ما لم يكونوا يبصرون، فإنهم يبصرون في ذلك اليوم الملائكة والجن، وما الله به عليم، ومن ذلك أن أهل الجنة لا يبصقون ولا يتغوطون ولا يتبولون.
وهذا لا يعني أن الذين يبعثون في يوم الدين خلق آخر غير الخلق الذين كانوا في الدنيا، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى:"النشأتان نوعان تحت جنس: يتفقان ويتماثلان ويتشابهان من وجه، ويفترقان ويتنوعان من وجه آخر، ولهذا جعل المعاد هو المبدأ، وجعله مثله أيضاً."
فباعتبار اتفاق المبدأ والمعاد فهو هو، وباعتبار ما بين النشأتين من الفرق فهو مثله، وهكذا كل ما أعيد، فلفظ الإعادة يقتضي المبدأ والمعاد .." [2] ."
(*) درء تعارض العقل والنقل 5/ 250، والجواب الصحيح 3/ 281، ومجموع الفتاوى 4/ 283 و 314، والصواعق المرسلة 4/ 1209.
(**) درء تعارض العقل والنقل1/ 8 و 10/ 59، وسير أعلام النبلاء 17/ 531، والكافية الشافية ص 108.
(***) في صحيح البخاري (6551) ، ومسلم (2852) عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما بين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع» ، وفي صحيح البخاري (3326) ، ومسلم (2841) عن النبي - صلى الله عليه وسلم: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ... فكل من يدخل الجنة على صورة آدم» .
(1) سلسلة الأحاديث الصحيحة: (4/ 231) ، ورقم الحديث: 1668.
(2) مجموع فتاوي شيخ الإسلام: (17/ 253) وقد أطال الشيخ رحمه الله تعالى في بيان المعنى الذي نقلناه عنه. فارجع إليه إن شئت المزيد من الإيضاح والبيان.