فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 430

الفصل السابع أهَوال يوم القيَامَة

تمهيد: هَوْلُ الْمَطْلَعِ يَوْمَ الْقِيَامَة:

قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ , إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ , يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا , وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى , وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ} (1)

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ , إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ , مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ , لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ , وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ , وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ , أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ , وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ , وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ , وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ , وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ , وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ , وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ , فَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ , إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ , يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ , وَبَرَزُوا للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ , وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ , وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ , لِيَجْزِيَ اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ , إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ , هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ , وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ , وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (2)

(حم) , وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللهِ - عز وجل - لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (3)

وفي رواية:"لَوْ أَنَّ عَبْدًا خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرَمًا فِي طَاعَةِ اللهِ , لَحَقَّرَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ , وَلَوَدَّ أَنَّهُ يُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنْ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ" (4)

(خ م ت) , وَعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: قَالَ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا(5) ثُمَّ قَرَأَ: {كَمَا بَدَأنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ، وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} (6 ) ) (7) (فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟) (4) (فَقَالَ:"يَا عَائِشَةُ {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأنٌ يُغْنِيهِ} (8 ) ) (9) (وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ") (10) الشرح (11) "

يوم القيامة يوم عظيم أمره، شديد هوله، لا يلاقي العباد مثله، ويدل على عظم هوله أمور:

الأول: وصفُ الله لذلك اليوم بالعظم، وحسبنا أن ربنا وصفه بذلك، ليكون أعظم مما نتصور، وأكبر مما نتخيل (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ - لِيَوْمٍ عَظِيمٍ - يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: 4 - 6] ، ووصفه في موضع آخر بالثقل، وفي موضع ثالث بالعسر، (إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) [الدهر: 27] ، (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ - عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) [المدثر: 9 - 10] .

الثاني: الرعب والفزع الذي يصيب العباد في ذلك اليوم، فالمرضع التي تفدي وليدها بنفسها تذهل عنه في ذلك اليوم، والحامل تسقط حملها، والناس يكون حالهم كحال السكارى الذين فقدوا عقولهم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ - يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ

(1) [الحج/1، 2]

(2) [إبراهيم/42 - 52]

(3) (حم) 17686 , انظر صَحِيح الْجَامِع: 5249 , الصَّحِيحَة: 446

(4) (حم) 17687 , صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 3597،هداية الرواة: 5224 , وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.

(5) (غُرْلًا) : جَمْع أَغْرَلَ , وَهُوَ الْأَقْلَفُ , وَهُوَ مَنْ بَقِيَتْ غُرْلَتُهُ , وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي يَقْطَعُهَا الْخَاتِنُ مِنْ الذَّكَرِ. فتح الباري (ج 18 / ص 370)

(6) [الأنبياء/104]

(7) (خ) 3171 , (م) 2860

(8) (خ) 6162

(9) [عبس/37]

(10) (ت) 3332 , (م) 2859

(11) (خ) 3171 , (م) 2860:يُقَال: إِنَّ الْحِكْمَةَ فِي خُصُوصِيَّةِ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ , لِكَوْنِهِ أُلْقِيَ فِي النَّار عُرْيَانًا، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيل.

وَلَا يَلْزَمُ مِنْ خُصُوصِيَّته - عليه السلام - بِذَلِكَ تَفْضِيلُهُ عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - لِأَنَّ الْمَفْضُولَ قَدْ يَمْتَازُ بِشَيْءٍ يُخَصُّ بِهِ , وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْفَضِيلَة الْمُطْلَقَة. فتح الباري (10/ 134)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت