تقتضي حكمة الله وعدله أن يبعث الله عباده ليجزيهم بما قدموا، فالله خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لبيان الطريق الذي يعبدونه به، فمن العباد من استقام على طاعة الله، وبذل نفسه وماله في سبيل ذلك. ومنهم من رفض الاستقامة على طاعة الله، وطغى وبغى، أفيليق بعد ذلك أن يموت الصالح والطالح ولا يجزي الله المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ - أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ - إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ) [القلم: 35 - 38]
إن الكفرة الضالين هم الذين يظنون أن الكون خُلق عبثاً وباطلاً لا لحكمة، وأنه لا فرق بين مصير المؤمن المصلح والكافر المفسد، ولا بين مصير التقي والفاجر (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ- أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: 27 - 28] .
ان الله - تعالى - لم يخلق الناس عبثا ولن يتركهم سدى قال - تعالى: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) . وقال - تعالى: (أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) ' فعدل الله وحكمته وإحقاقه الحق وإبطاله الباطل وإعطاؤه كل ذي حق حقه وتميزه بين الخبيث والطيب والمحسن والمسيء كل ذلك يأبى إلا أن يكون هناك يوم آخر بعد نهاية الدنيا ينال فيه كل إنسان جزاؤه وما يستحقه من الثواب والعقاب على ما قدم من خير أو شر. فإننا نرى أناسا يفارقون الدنيا وهم ظالمون لم يقتص منهم، ونرى أناسا آخرين يفارقون الدنيا مظلومين لم ترد إليهم مظالمهم، ونرى أشرارا في الدنيا منعمين ونرى أخيارا فيها معذبين فإذا ذهب كل إنسان بما فعل إن ظالما أو مظلما محظوظا أو مهضوما كان ذلك خدشا في عظمة الألوهية وعدلها وقضائها، فلابد إذن من يوم يحضر الجميع فيه بين يدي الله ليقتص من الظالم للمظلوم ولينال كل من المحسن والمسيء جزاءه كما قال - تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وان كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين) .وقال - تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصالحات سواء محيا هم ومماتهم ساء ما يحكمون) ولهذا ه المعاني قال بعض الحكماء"ثبت أن الله - عز وجل - حكيم والحكيم لا ينقض ما بنى إلا لحكمة أتم من حكمة النقض ولا يجوز أن تكون أنقص ولا مماثلة على مالا يخفى".