أعمال الكفار قسمان:
1 -القسم الأول: قسم هو طغيان وبغي وإفساد في الأرض ونحو ذلك، فهذه أعمال باطلة فاسدة لا يرجو أصحابها من ورائها خيراً، ولا يتوقعون عليها ثواباً.
وقد شبه القرآن هذه الأعمال بالظلمات التي يركب بعضها بعضاً: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) [النور: 40] .
2 -القسم الثاني: أعمال يظنون أنها تغني عنهم من الله شيئاً، كالصدقة والعتاق وصلة الأرحام والإنفاق في سبل الخير، فعَن أنس بن مَالك، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:"إِن الْكَافِر إِذا عمل حَسَنَة أطْعم بهَا طعمة فِي الدُّنْيَا، وَأما الْمُؤمن فَإِن الله يدّخر لَهُ حَسَنَاته فِي الْآخِرَة وَيُعْطِيه رزقا على طَاعَته". مُسلم
و عَن أنس بن مَالك قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:"إِن الله لَا يظلم مؤمناُ حَسَنَة، يُعْطي بهَا فِي الدُّنْيَا ويجزى بهَا فِي الْآخِرَة، وَأما الْكَافِر فَيعْطى بحسنات مَا عمل بهَا الله فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذا أفْضى إِلَى الْآخِرَة لم يكن لَهُ حَسَنَة يجزى بهَا".مُسلم
وكونه يجزى في الدنيا؛ لأن الله جل وعلا لا يقبل من الكافر عملاً يثاب عليه؛ لأن قبول العمل له ثلاثة شروط، لابد أن يتوافر فيه ثلاثة شروط:
الشرط الأول: الإيمان.
كما قال تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [طه:112] .
أي: حالة كونه عمل وهو مؤمن؛ إذ لابد من الإيمان.
الشرط الثاني: أن يكون على الكتاب و السنة الصحيحة.
أي: أن العمل جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس بالاختراعات والآراء والاستحسانات؛ لأن البدع كما قال صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، أي: مردود عليه لا يقبل.
الشرط الثالث: الإخلاص بأن يكون العمل خالصاً لوجه الله جل وعلا، كما قال سبحانه: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف:110] ، فعلى هذا أي عملٍ يعمله الكافر فإنه لا يُعتد به ولا ينفعه، ولكن من كرم الله وجوده وتمام عدله أنه يجزيه به في الدنيا إذا كان العمل عمله لله، فإذا عمل الكافر عملاً لله، مثل صلة الرحم، وإطعام الفقراء، والإحسان إلى المحتاجين وما أشبه ذلك فإنه يجزى به في الدنيا.
و أما المؤمن فإنه يعطى بحسناته في الدنيا ويجزى عليها أيضاً في الآخرة، وهذا أيضاً جزء من تمام الحديث الذي في الصحيح، والذي لا يحصل له شيء من جزاء أعماله في الدنيا يكون جزاؤه أكمل في الآخرة، ولهذا ذكر عبد الرحمن بن عوف -وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم- حالتهم السابقة فقال: إنا آمنا وهاجرنا، فمنا من استكمل حسناته ومنا من عجلت له بعض حسناته، وأخشى أن أكون ممن عجلت له حسناته.
و لقد ضرب الله في كتابه لهذا النوع من الأعمال أمثلة.
فشبههاالله عزوجل في كتابه:
1 -في بعض المواضع بالسراب الذي يظنه رائيه ماء، ولكنه عندما يأتيه - وهو يؤمل أن يصل إليه فيروي غلته، ويذهب ظمأه - لا يجده شيئاً، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور: 39] .
2 -وشبهها في موضع آخر بالرياح الشديدة الباردة تهب على الزروع والثمار فتدمرها (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هِذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [آل عمران: 117] .