أما قوّة العلم، فاعتدالها وحسنها أن تصير بحيث يدرك بها الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال، وبين الحق والباطل في الاعتقادات، وبين الجميل والقبيح في الأعمال. فإذا انحصلت هذه القوة كذلك، حصلت منها ثمرة الحكمة، وهي رأس الفضائل؛ قال الله عز وجل: {ومَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، وما يَذَّكَّرُ إِلّا أُولُوا الْأَلْبابِ} [البقرة:269] .
وأما قوة الغضب فاعتدالها أن يحصل انقباضها وانبساطها على موجب إشارة الحكمة والشرع، وكذلك قوة الشهوة.
وأما قوة العدل فهي في ضبط قوة الغضب. وقوة الشهوة تحت إشارة الدين والعقل، فالعقل منزلته منزلة الناصح، وقوة العدل هي القدرة، ومنزلتها منزلة المنفذ الممضي لإشارة العقل، والغضب والشهوة، وهما اللذان تنفّذ بهما الإشارة، وهما كالكلب والفرس للصياد. فإن حسن بعض هذه دون بعض، كان كما لو حسن بعض أعضاء الوجه، فلا يطلق اسم الحسن له إلا إذا حسن الجميع واعتدل، فإذا حسنت واعتدلت انشعب منه جميع الأخلاق. وأما قوة الغضب، فيعبر عن اعتدالها بالشجاعة، والله تعالى يحب الشجاعة، وإن مالت إلى طرف الزيادة سميت تهوّرا، وإن مالت إلى النقصان تسمّى جبنا. ويتشعب من اعتدالها: خلق الكرم، والنجدة، والشهامة، والحلم، والثبات، وكظم الغيظ، والوقار، والتّؤدة. وأما إفراطها فيحصل منه: خلق التهوّر، والصّلف، والبذخ، والاستشاطة، والكبر، والعجب. وأما تفريطها فيحصل منه:
الجبن، والمهانة، والذلة، والخساسة، وعدم الغيرة، وضعف الحمية على الأهل، وصغر النفس. وأما الشهوة، فيعبر عن اعتدالها بالعفة، وعن إفراطها بالشّره، وعن تفريطها وضعفها بالخمود، فيصدر من العفة: السخاء، والحياء، والصبر، والسماحة، والقناعة، والورع، والمساعدة، والظرف، وقلة الطمع. ويصدر عن إفراطها:
الحرص، والشره، والوقاحة، والتبذير، والتقتير، والرياء، والهتكة، والمجانة، والملق، والحسد، والشماتة، والتذلل للأغنياء، واستحقار الفقراء، وغير ذلك. وأما قوة العقل، فيصدر من اعتدالها: حسن التدبير، وجودة الذهن، وثقابة الرأي، وإصابة الظن، والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفس. وأما إفراطها فيحصل منه: