فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 189

الشيطان وهي الشهوات ودواعيها بعد البلوغ يظهر بواعث الدين والعقل إذ يحمل على النظر إلى العواقب، وتبتدئ بقتال جند الشيطان، فإن ثبت باعث الدين في مقابلة باعث الهوى حتى غلبه، فقد حصل مقام الصبر، إذ لا يتصور الصبر، إلا عند تعارض الباعثين على التناقض، وذلك كالصبر على شرب الدواء البشيع، إذ يدعو إليه داعي العقل، ويمنع منه داعي الشهوة. وكل من غلبته شهوته لم يعزم عليه، ومن غلب عقله شهوته صبر على مرارته لينال الشفاء. وشطر الإيمان إنما يتم بالصبر؛ ولذلك قال النبي - عليه السلام: «الصبر نصف الإيمان» ، لأن الإيمان يطلق على المعارف والأعمال جميعا، وسائر الأعمال في طرفي الكف والإقدام والتزكية والتحلية لا يتم إلا بالصبر؛ لأن جملة أعمال الإيمان على خلاف باعث الشهوة، فلا يتم إلا بثبات باعث الدين في مقابلته؛ ولذلك قال - عليه السلام: «الصوم نصف الصبر» ، لأن الصبر تارة في مقابلة داعي الشهوة، وتارة في مقابلة داعي الغضب؛ والصوم هو كسر لداعية الشهوة.

الصبر له ثلاث درجات بحسب ضعفه وقوته:

الدرجة العليا: أن تقمع داعية الهوى بالكلية، حتى لا يبقى لها قوة للمنازعة. ويتوصل إليها بدوام الصبر وطول المجاهدة؛ وذلك من الذين قيل لهم: {إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا} [فصلت:30، الأحقاف:13] ، وإياهم ينادي المنادي: {يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر:27،28] .

الدرجة السفلى: أن تقوى داعية الهوى وتسقط منازعة باعث الدين، ويغلب الهوى ويسلم القلب لجند الشيطان؛ وذلك من الذين قيل فيهم: {ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة:13] . وعلامته شيئان: أحدهما، أن يقول: أنا أشتاق إلى التوبة ولكن تعذرت عليّ، فلست أطمع فيها؛ فهذا هو القانط وهو الهالك. الثاني: أن لا يبقى فيه شوق إلى التوبة، ولكن يقول: الله كريم رحيم وهو مستغن عن توبتي فلا تضيق الجنة الواسعة والمغفرة الشاملة عنّي. وهذا المسكين قد صار عقله أسير شهوته، ولا يستعمله إلا في استنباط حيل قضاء الشهوة، فصار عقله كالمسلم الأسير بين الكفّار، يستسخرونه في رعاية الخنازير، وحفظ الخمور، وحملها على العنق والظهر إلى بيوتهم. فانظر كيف يكون حال العبد إذا أخذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت