فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 189

أعز أولاد الملك وسلمه إلى أخس أعدائه حتى استرقه واستسخره، ففي مثل حاله يكون قدوم هذا الغافل المنهمك على الله تعالى. نعوذ بالله منه.

الدرجة الوسطى: أن لا يفتر على المحاربة، ولكن يكون الحرب بينهما سجالا، تارة له اليد، وتارة عليه اليد؛ وهذا من المجاهدين الذين {خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا ... } [التوبة:102] الآية. وعلامة هذا أن يترك من الشهوات ما هو أضعف، ويعجز عما هو أغلب؛ وربما يغلبها في بعض الأوقات دون بعض، وهو في جميع الأحوال متحسر على عجزه، ومستمر المعاودة إلى مجاهدته وقتاله، وذلك هو الجهاد الأكبر. ومهما اتقى وصدّق بالحسنى فسنيسّره لليسرى. وبالجملة فقد قصر عن البهيمة إنسيّ لم يقاوم بقوة عقله شهوته وقد أيد بالعقل وحرم عنه البهيمة، ولذلك قال الله تعالى: «أولئك كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا» (1) .

اعلم أن الحاجة إلى الصبر عامة في جميع الأحوال، لأن جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين: فإنه إمّا أن يوافق هواه أو يخالفه. فإن وافق هواه كالصحّة والسّلامة والثروة والجاه وكثرة العشيرة، فما أحوجه إلى الصبر معها، فإنه إن لم يضبط نفسه طغى واسترسل في التنعم واتباع الهوى، ونسي المبتدى والمنتهى؛ ولذلك قالت الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - بلينا بفتنة الضرّاء فصبرنا، وبلينا بفتنة السرّاء فلم نصبر؛ ولذلك قيل: يصبر على البلاء كلّ مؤمن، ولا يصبر على العافية إلا صدّيق. ومعنى الصبر فيها، أن لا يركن إليها، ويعلم أن كل ذلك وديعة عنده، ويسترجع على القرب، وأن لا ينهمك في الغفلة والتنعّم، ويؤدي حق شكر النعمة، وذلك مما يطول شرحه.

النوع الثاني: ما يخالف الهوى، وذلك أربعة أقسام:

القسم الأول الطاعات: والنفس تنفر عن بعضها بمجرّد الكسل كالصلاة، وعن بعضها بالبخل كالزكاة، وعن بعضها بهما جميعا كالحج والجهاد، والصبر على الطاعة

(1) نصّ الآية 179 من سورة الأعراف: {أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ} . ونص الآية 44 من سورة الفرقان: {إِنْ هُمْ إِلّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت