ينبغي أن يتركه بل ينبغي أن يستمر على عبادته ويجتهد في دفع باعث الرياء.
اعلم ان الأخلاق المذمومة كثيرة، ولكن ترجع أصولها إلى ما ذكرناه. ولا يكفيك تزكية النفس عن بعضها حتى تتزكى عن جميعها. ولو تركت واحدا منها غالبا عليك، فذلك يدعوك إلى البقية، لأن بعض هذه يرتبط بالبعض، ويتقاضى بعض الأخلاق الذميمة بعضا، ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، والسلامة المطلقة لا تنال بدفع بعض الأمراض، بل إنما تنال بالصحة المطلقة، كما أنّ الحسن لا يحصل بحسن بعض الأعضاء ما لم يحسن جميع الأطراف، والنجاة في حسن الخلق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن» ، وقد قال النبي عليه السلام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» . وقيل له: ما الدين؟ قال عليه السلام: «الخلق الحسن» ، وقال عليه السلام:
«حسن الخلق خلق الله تعالى» . وقال عليه السلام: «أفضل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا» . وقد كثرت الأقاويل في حقيقته وبيان حدّه؛ والأكثرون تعرضوا لبعض ثمراته، ولم يحيطوا بجميع تفصيله؛ والذي يطلعك على حقيقته، أن تعلم أن الخلق والخلق عبارتان فيراد بالخلق الصورة الظاهرة، وبالخلق الصورة الباطنة، وذلك لأن الإنسان مركّب من جسد يدرك بالبصر، ومن روح ونفس يدرك بالبصيرة لا بالبصر، ولكل واحد منهما هيئة، إما قبيحة وإما حسنة. والنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدرا، ولذلك أضافه الله عز وجل إلى نفسه، وأضاف البدن إلى الطين، فقال: إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ص:71،72] ، ووصف الروح بأنه أمر رباني فقال:
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:85] ، وأعني بالرّوح والنفس هاهنا معنى واحدا وهو الجوهر العارف المدرك من الإنسان بإلهام الله تعالى، كما قال: ونَفْسٍ وما سَوّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها وقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها [الشمس:7 - 10] ، وكما أن للحسن الظاهر أركانا كالعين والأنف والفم والخد - ولا يوصف الظاهر بالحسن ما لم يحسن جميعها - فكذلك الصورة الباطنة لها أركان لا بدّ من حسن جميعها حتى يحسن الخلق، وهي أربعة معان: قوة العلم، وقوة الغضب، وقوة الشهوة، وقوة العدل، بين هذه القوى الأربع؛ فإذا استوت هذه الأركان الأربعة، واعتدلت، وتناسقت، حصل حسن الخلق.