فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 189

فيها وأغسل رأسي وثوبي، ومعي مطهرتي أحمل فيها شرابي ووضوئي، فما كان بعد هذا من الدنيا فهو تبع لما معي. فقال: صدقت. وقال الحسن: أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه، وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا. وكان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ينام عليه وسادة من أدم حشوها ليف، وعباءة خشنة. فهذه سيرة الزهّاد في الدنيا، فمن حرم هذه الرتبة فلا أقل من أن يتحسّر على فواتها، ويجتهد أن يكون قربه منهم أكثر من قربه من المتنعّمين في الدنيا.

الزهد على درجات: إحداها: أن يزهد ونفسه مائلة إلى الدنيا ولكن يجاهدها؛ وهذا متزهد، وليس بزاهد؛ ولكن بداية الزهد التزهد. الثانية: أن تفر نفسه عن الدنيا ولا تميل إليها، لعلمه أن الجمع بينها وبين نعيم الآخرة غير ممكن، فتسمح نفسه بتركها، كما تسمح نفس من يبذل درهما ليشتري جوهرة، وإن كان الدرهم محبوبا عنده؛ وهذا زهد. الثالثة: أن لا تميل نفسه إلى الدنيا ولا تنفر عنها، بل يكون وجودها وعدمها عنده بمثابة واحدة، ويكون المال عنده كالماء، وخزانة الله تعالى كالبحر، فلا يلتفت قلبه إليه رغبة ونفورا، وهذا هو الأكمل؛ لأن الذي يبغض شيئا فهو مشغول به، كالذي يحبه؛ ولذلك ذمّ الدنيا عند رابعة العدوية، فقالت: «لو لا قدرها في قلوبكم ما ذممتموها» . وحمل إلى عائشة - رضي الله عنها - مائة ألف درهم فلم تنفر عنها، ولكن فرقتها في يومها، فقالت خادمتها: لو اشتريت بدرهم لحما تفطرين عليه، فقالت: لو ذكرتني لفعلت. فهذا هو الغنى، وهو أكمل من الزّهد؛ ولكنه مظنّة غرور الحمقى، إذ كل مغرور يستشعر في نفسه أن لا علاقة لقلبه مع الدنيا؛ وعلامة ذلك، أن لا يدرك الفرق بين أن يسرق جميع ماله أو يسرق مال غيره، فما دام يدرك التفرقة فهو مشغول به.

كمال الزهد، هو الزهد في الزهد، بأن لا يعتدّ به ولا يراه منصبا؛ فإن من ترك الدنيا وظن أنه ترك شيئا فقد عظّم الدنيا، إذ الدنيا عند ذوي البصائر لا شيء، وصاحبها كمن منعه عن دار الملك كلب على بابه، فألقى إليه لقمة خبز وشغله بها ودخل دار الملك وجلس على سرير الملك؛ فإن الشيطان كلب على باب الله تعالى، والدنيا كلها أقل من لقمة بالإضافة إلى الملك، إذ اللقمة لها نسبة إلى الملك إذ يفنى بأمثالها، والآخرة لا يتصور أن تفنى بأمثالها الدنيا لأنها لا نهاية لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت