فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 189

فأوحى الله إلى نبيّ زمانه أن ذنبك لو كان فيما بيني وبينك لغفرته لك، ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فأدخلتهم النار. وعلى الجملة، فلا باعث على التوبة إلا الخوف الصادر عن البصيرة والمعرفة، فلنذكر فضيلة الخوف.

وقد جمع الله تعالى للخائفين الهدى والرحمة والعلم والرضوان، وناهيك بذلك فضلا، فقال تعالى: {هُدىً ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} [الأعراف:154] ، وقال: {إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ} [فاطر:28] ، وقال الله تعالى: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ. ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البيّنة:8] . وقال صلى الله عليه وسلم: «رأس الحكمة مخافة الله» ، وقال عليه السلام: «من خاف الله تعالى خافه كل شيء، ومن خاف غير الله تعالى خوّفه الله من كل شيء» ، وقال عليه السلام: «قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين، ولا أجمع له أمنين، فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة، وإذا خافني في الدنيا أمّنته يوم القيامة» .

اعلم أن حقيقة الخوف هو تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في الاستقبال. وقد يكون ذلك الخوف من جريان ذنوب، وقد يكون الخوف من الله تعالى بمعرفة صفاته التي توجب الخوف لا محالة، وهذا أكمل وأتم، لأن من عرف الله خافه بالضرورة، ولذلك قال الله تعالى: {إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ} [فاطر:28] . وقد أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: «خفني كما تخاف السّبع الضّاري» ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أخوفكم لله تعالى» . واعلم أن الواقع في مخالب السبع إنما لا يخافه إذا لم يعرف السّبع، فإنّ من علم أن من صفة السبع أنه يهلكه ولا يبالي، فإن تركه لم يكن لرقته عليه وشفقته، فإنه أحقر عنده من أن يشفق عليه، فلا بد من أن يخاف، ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم، ولكن من عرف أنه لو أهلك الأولين والآخرين لم يبال ولم ينقص شيء من ملكه {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة:17] . وكم أهلك من عباده في الدنيا، وعرّضهم لأنواع العذاب ولم تأخذه رقة ولا شفقة، فإن ذلك محال عليه، فلا بد وأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت