فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 189

السعادة والشقاوة على ما ليس إليه جهل، فمن أين يعلم أنه يبقى إلى أن يتوب؟ وإنّ أكثر صياح أهل النار من التسويف، لأنهم سوّفوا حتى فاجأهم مرض ساقهم إلى الموت، كيف، وإنما يسوّف لأنه يعجز عن قمع الشهوات في الحال! فإن كان ينتظر يوما يسهل فيه قمع الشهوات، فهذا يوم لم يخلق أصلا، بل مثاله مثال امرئ يريد أن يقلع شجرة عجز عنها لضعفه وقوة رسوخ الشجرة، فيؤخر إلى السنة القابلة وهو يعلم أن الشجرة تزداد كلّ يوم رسوخا، وقوته تزداد كل يوم قصورا ونقصانا، وذلك غاية الجهل.

الرابع: أن يعد نفسه بالكرم والعفو، وذلك غاية الحمق أوردها الشيطان في معرض الدّين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله تعالى» .

الخامس: أن يكون - والعياذ بالله - شاكّا في أمر الآخرة؛ وقد ذكرنا علاجه في خاتمة الأخلاق الذميمة.

التوبة من الذنوب كلها مهمة واجبة، وعن الكبائر أهم؛ والإصرار على الصغيرة أيضا كبيرة؛ فلا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع رجوع واستغفار، وتواتر الصغائر عظيم التأثير في تسويد القلب، وهو كتواتر قطرات الماء على الحجر، فإنه يحدث فيه حفرة لا محالة، مع لين الماء وصلابة الحجر. وتعظم الصغيرة بأسباب:

إحداها: أن يستصغرها العبد ويستهين بها، فلا يغتم بسببها؛ قال بعضهم: الذنب الذي لا يغفر قول العبد ليت كل شيء عملته مثل هذا. الثاني: السرور بها، والتبجح بسببها، واعتقاد التمكن منها نعمة، حتى أن المذنب ليفتخر فيقول: ما رأيتني كيف شتمته، وكيف مزقت عرضه، وكيف خدعته في المعاملة؟ وذلك عظيم التأثير في تسويد القلب. الثالث: أن يتهاون بستر الله عليه، ويظن أن ذلك لكرامة عند الله تعالى، ولا يدري أنه ممقوت؛ وقد أمهل ليزداد إثما فيكون في الدرك الأسفل من النار. الرابع: أن يجاهر بالذنب ويظهره، أو يذكره بعد فعله؛ وفي الخبر: كل الناس معافى إلا المجاهرون. الخامس: أن يصدر الصغيرة عن عالم يقتدى به، فذلك عظيم، لأنه يبقى بعد موته، فطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه؛ ومن سنّ سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة. وروي أن بعض علماء بني إسرائيل تاب عن ذنوبه وبدعته،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت