فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 189

من غير حدقة ولا أجفان ويسمع من غير أصمخة (1) ولا آذان. كما يعلم من غير قلب، ويبطش بغير جارحة، ويخلق بغير آلة؛ إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق.

وأنه متكلم آمرناه، واعد متوعد بكلام أزلي قديم، قائم بذاته لا يشبه كلامه كلام الخلق، كما لا يشبه ذاته ذوات الخلق؛ فليس بصوت يحدث من انسلال هواء واصطكاك أجرام، ولا حرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان. وأن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله. وأن القرآن مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب. وأنه مع ذلك قديم قائم بذات الله تعالى، لا يقبل الانفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق. وأن موسى - عليه السلام - سمع كلام الله بغير صوت ولا حرف. كما يرى الأبرار ذات الله - سبحانه - من غير جوهر ولا شكل ولا لون ولا عرض. وإذا كانت له هذه الصفات، كان حيّا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا، متكلما بالحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع والبصر والكلام، لا بمجرد الذات.

وأنه لا موجود سواه إلا وهو حادث بفعله، وفائض من عدله، على أحسن الوجوه وأكملها، وأتمها وأعدلها. وأنه حكيم في أفعاله، عادل في أقضيته، لا يقاس عدله بعدل العباد؛ إذ العبد يتصوّر منه الظلم بتصرفه في ملك غيره، ولا يتصوّر الظلم من الله تعالى - سبحانه - فإنه لا يصادف لغيره ملكا حتى يكون تصرفه فيه ظلما. فكل ما سواه من إنس وجن، وشيطان وملك، وسماء وأرض، وحيوان ونبات، وجوهر وعرض، ومدرك ومحسوس، حادث اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعا وإنشاء، بعد أن لم يكن شيئا؛ إذ كان في الأزل موجودا وحده، ولم يكن معه غيره، فأحدث الخلق إظهارا لقدرته، وتحقيقا لما سبق من إرادته، ولما حقّ في الأزل من كلمته، وهي قوله: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف» لا لافتقاره إليه، ولا لحاجته. وأنه متفضل بالخلق والاختراع

(1) أصمخة: جمع صمخ، وهو باطن الأذن المفضي إلى الرأس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت