فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 189

اطّلعوا على الأسرار بأنفسهم وشاهدوا شواهد الشرع ازدادوا نورا على نور، والعميان الجاهلون يحرمون الوقوف على الحدود، والعثور على الأسرار جميعا، فلا هم كعبيد أتقياء، ولا كأحرار كرام؛ وهم الذين قال فيهم: {ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ... } (1) الآية. وقال تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ... } [الرعد: 19] الآية. وقال: {ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي، فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا، إلى قوله: فَنَسِيتَها وكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى} [طه:124 - 126] . وآيات الله حكمته في خلقه. وقد ألقيت إلى الخلق على لسان الأنبياء - صلوات الله عليهم - كما فصلت في جملة الشريعة من أولها إلى آخرها. وما من حد من حدود الشرع إلا وفيه سر، وخاصية، وحكمة، يعرفها من يعرفها، وينكرها من يجهلها. وشرح ذلك طويل، فليطلب من كتاب الشكر. ولا يتصور تمام الشكر إلا ممن قام لله تعالى وحده، مخلصا لا رغبة فيه لغيره؛ فلنذكر الإخلاص والصّدق:

اعلم أن للإخلاص حقيقة وأصلا وكمالا، فهذه ثلاثة أركان. وأصله النيّة، إذ فيها الإخلاص. وحقيقته نفي الشّوب (2) عن النية، وكماله الصدق.

الركن الأول النية: وقد قال الله تعالى: {ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] ومعنى النية إرادة وجهه. وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ... » الحديث. وقال: «إن الملائكة ترفع صحيفة عمل العبد فيقول الله تعالى: ألقوها، فإنه لم يرد بها وجهي، واكتبوا له كذا وكذا، فيقول الملائكة: إنه لم يعمل منها شيئا، فيقول الله عز وجل: إنه نواه إنه نواه» . وقال صلى الله عليه وسلم: «الناس أربعة: رجل أتاه الله علما ومالا، فهو يعمل بعلمه في ماله، فيقول رجل: لو آتاني الله ما آتاه لعملت كما يعمل، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالا، ولم يؤته علما فهو يخبط بجهله في ماله، فيقول رجل: لو آتاني الله تعالى ما آتاه لعملت كما يعمل فهما في الوزر

(1) من الآية 13 من سورة السجدة؛ وتمامها: {ولَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنّاسِ أَجْمَعِينَ} .

(2) الشوب: ما خلطته بغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت