فإذا فهمت أن هذه الآلات أصول لا بدّ منها للحركة، وأن الحركة لا بدّ من تقدرها ليتقدر ما يتولد منها، فكذلك فافهم حصول الحوادث المقدر التي لا يتقدم منها شيء ولا يتأخر؛ إذا جاء أجلهم، أي حضر سببها. وكل ذلك بمقدار معلوم أن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا. فالسماوات والأفلاك والكواكب والأرض والبحر والهواء، وهذه الأجسام العظام في العالم كتلك الآلات، والسبب المحرك للأفلاك والكواكب والشمس والقمر بحساب معلوم، كتلك الثقبة الموجبة لنزول الماء بقدر معلوم، وإفضاء حركة الشمس والقمر والكواكب إلى حصول الحوادث في الأرض، كإفضاء حركة الماء إلى حصول تلك الحركات المفضية إلى سقوط الكرة المعرّفة لانقضاء الساعة. ومثال تداعي حركات السماء الى تغيير الأرض، هو أن الشمس بحركتها إذا بلغت إلى المشرق فاستضاء العالم، وتيسر على الناس الإبصار، فيتيسر عليهم الانتشار في الاشتغال؛ فإذا بلغ المغرب تعذر عليهم ذلك، فيرجعوا إلى المساكن. وإذا قربت من وسط السماء وسامتت (1) رءوس أهل الأقاليم حمي الهواء واشتد القيظ وحصل نضج الفواكه، وإذا بعدت حصل الشتاء واشتد البرد، وإذا توسطت حصل الاعتدال فظهر الربيع، وأنبتت الأرض وظهرت الخضرة؛ وقس بهذه للمشهورات التي تعرفها والغرائب التي لا تعرفها. فاختلاف هذه الفصول كلها مقدرة بقدر معلوم، لأنها منوطة بحركات الشمس والقمر، و {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن:5] ، أي حركتهما بحساب معلوم. فهذا هو التقدير. ووضع الأسباب الكلية هو القضاء. والتدبير الأول الذي هو كلمح البصر، هو الحكم. وكما أن حركة الآلة والخيط والكرة ليست خارجة عن مشيئة واضع الآلة، بل ذلك هو الذي أراد بوضع الآلة فكذلك كل ما يحدث في العالم من الحوادث، شرها وخيرها، نفعها وضرها، غير خارج عن مشيئة الله تعالى، بل ذلك مراد الله تعالى ولأجله دبر أسبابه. وتفهيم الأمور الإلهية بالأمثلة العرفية عسير؛ ولكن المقصود من الأمثلة التنبيه، فدع المثال وتنبه للغرض، واحذر من التمثيل والتشبيه.
وأنه تعالى سميع بصير، يسمع ويرى: لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي، ولا يغيب عن رؤيته مرئيّ وإن دق، ولا يحجب سمعه بعد، ولا يدفع رؤيته ظلام، يرى
(1) سامتت: قابلت وقربت.