الجربزة (1) ، والدهاء، والمكر، والخداع. ويحصل من تفريطها وضعفها: البله، والحمق، والغمارة (2) ، والبلادة، والانخداع.
فهذه هي روابط الأخلاق؛ وإنما معنى حسن الخلق في الجميع وسط بين الإفراط والتفريط، فخير الأمور أوسطها. وكلا طرفي قصد الأمور ذميم، ولذلك قال عز وجل:
وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29] ، وقال تعالى: {والَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا} [الفرقان:
67]، وقال تعالى: {أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح:29] . ومهما مال واحد من هذه الجملة إلى الإفراط والتفريط فبعد لم يكمل حسن الخلق.
طريق إصلاح هذه الأخلاق كلها المجاهدة والرياضة. ومعنى المجاهدة أن يكلّف الصفة المفرطة الغالبة خلاف مقتضاها فتعمل بنقيض موجبها، فإن غلب البخل فلا تزال تتكلف البذل بالمجهود، وتداوم عليه مرة بعد أخرى، حتى يسهل عليك البذل في محله؛ فإن غلب التبذير فلا تزال تتكلف الإمساك حتى يصير عادة فيسهل عليك الإمساك في محله. وكذلك في خلق الكبر وسائر الأخلاق، وقد ذكرناه في كتاب رياضة النفوس على التفصيل. وينبغي أن تعلم أن من يبذل تكلّفا فليس بسخيّ، وأن من يتواضع تكلفا فهو ثقيل على نفسه، وهو عاطل عن خلق التواضع، بل الخلق عبارة عن هيئة للنفس يصدر عنها الفعل بسهولة من غير رويّة وتكلف. لكن التكلف هو طريق تحصيل الخلق، فإنه لا يزال يتكلف أوّلا حتى يصير طبعا وعادة. فيفهم من هذا أن البخيل قد يبذل وأن السخيّ قد يمسك. فلا تنظر إلى الفعل بل إلى الهيئة الراسخة التي تصدر منها الأفعال بيسر من غير تكلف. واعلم أن تفاوت الناس في الحسن الباطن، كتفاوتهم في الحسن الظاهر، ولن يسلم الحسن المطلق إلا على الندور، وإنما سلم ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أثنى الله سبحانه عليه فقال: وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] . وليست النجاة موقوفة على الكمال البالغ لكن على أن يكون الميل إلى الحسن أكثر، فإن القبيح
(1) الجربزة: الخبث.
(2) الغمر: الحقد وزنا ومعنى، ورجل غمر لم يجرّب الأمور.