فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 189

ليتني كنت تبنة وليتني كنت طائرا. كلهم قد شغلهم خوف العاقبة عن الكبر مع عظم علمهم وعملهم. فكيف يتكبرون بنسبهم إلى من هو عاطل عن خصالهم!

السبب الرابع الكبر بالمال والجمال والأتباع:

و الكبر بهم جهل، فإنها أمور خارجة عن الذات، أعني المال والأتباع. وكيف يتكبر بخصلة تمتد إليها يد السارق والغاصب! وكيف يفتخر بالجمال وحمّى شهر تفسده والجدريّ يزيله! ولو تفكر الجميل في أقذار باطنه لأدهشه ذلك عن تزويق ظاهره، ولو لم يتعهد الجميل بدنه أسبوعا بالغسل والتنظيف لصار أقذر من الجيفة، من تغيّر النكهة والصّنان (1) ورائحة العذرة، وكراهية الوسخ والمخاط والرّمص (2) . فمن أين للمزبلة أن تفتخر بجمالها! والإنسان بالحقيقة مزبلة، فإنه منبع الأقذار والنجاسات.

قال الله تعالى: {ويَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} [التوبة:25] الآية. وقال عز وجل: {وهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:104] ، وقال: فَلا (3) تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى [النجم:32] . وقال - عليه السلام: «ثلاث مهلكات:

شحّ مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه». وقال ابن مسعود - رضي الله عنه:

«الهلاك في اثنين: القنوط والعجب» . وإنما جمع بينهما لأن القانط لا يطلب السعادة لقنوطه، والمعجب لا يطلبها لظنه أنه قد ظفر بها. وقال صلى الله عليه وسلم: «لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أعظم من ذلك، العجب العجب» . وقيل لعائشة - رضي الله عنها: متى يكون الرجل مسيئا؟ فقالت: «إذا ظن أنه محسن» .

و نظر رجل إلى بشر بن منصور وهو يطيل الصلاة ويحسن العبادة، فلما فرغ قال: «لا يغرّنك ما رأيت مني، فإن إبليس عبد الله تعالى وصلّى آلاف السنين، ثم صار إلى ما صار إليه» .

(1) الصنان: الرائحة الكريهة مصدرها البدن.

(2) الرمص: الوسخ الأبيض يكون في مجرى الدمع من العينين.

(3) في الأصل «و لا» وما أثبتناه من سورة النجم الآية 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت