فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 189

في ماله أو ولده، ثم استقبل ذلك بصبر جميل، استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزانا، أو أنشر له ديوانا». وقال عليه السلام: «انتظار الفرج بالصبر عبادة» . وقال عليه السلام: «من إجلال الله تعالى ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك، ولا تذكر مصيبتك» . فقد عرفت أنك لا تستغني عن الصبر في جميع أوقاتك، وبه يظهر أنه شطر الإيمان؛ وشطره الآخر فيما يتعلق بالأعمال وهو الشكر، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر» . وهذا باعتبار النظر إلى الأعمال والتعبير بالإيمان عنها.

وقد قال الله تعالى: {وقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ:13] وقال: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7] ، وقال: {واُشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ} [البقرة:152] ، وقال: {وسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ} [آل عمران:144] ، وقال: {ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وآمَنْتُمْ} [النساء:147] . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «للطاعم الشاكر منزلة الصائم الصابر عند الله» . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي في تهجده، فقالت عائشة - رضي الله عنها - وما يبكيك؟ وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر. فقال - عليه السلام: «أَفلا أكون عبدا شكورا؟» ، وقال: «ينادى يوم القيامة ليقم الحامدون، فيقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنّة» ، فقيل ومن الحامدون؟ قال: «الذين يشكرون الله على كل حال» . وقال: «الحمد رداء الرحمن» .

اعلم أن الشكر من المقامات العالية، وهو أعلى من الصبر والخوف والزهد وجميع المقامات التي سبق ذكرها، لأنها ليست مقصودة في أنفسها، وإنما تراد لغيرها. فالصبر يراد منه قهر الهوى، والخوف سوط يسوق الخائف إلى المقامات المقصودة المحمودة، والزهد هرب من العلائق الشاغلة عن الله تعالى، وأما الشكر فمقصود في نفسه ولذلك لا ينقطع في الجنة، وليس فيها توبة ولا خوف ولا صبر ولا زهد. والشكر دائم في الجنة، ولذلك قال الله تعالى: {وآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعالَمِينَ} [يونس:10] . وتعرف ذلك بأن تعرف حقيقة الشكر، وأنه ينتظم من علم وحال وعمل: أما العلم، فالعلم بالنعمة والمنعم، بأن النّعم كلها من الله تعالى، وهو المنفرد بجميعها. والوسائط كلّهم مسخرون مقهورون. وهذه المعرفة وراء التقديس والتوحيد،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت