فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 189

فإنهما داخلان فيه؛ بل الرتبة الأولى في معارف الإيمان التقديس، ثم إذا عرفت ذاتا مقدسة وعرفت أنه لا مقدس إلا واحد، فهو التوحيد. ثم إذا علمت أن كل ما في العالم فهو موجود من ذلك الواحد، والكل نعمة منه خاصة، فهو الحمد. وإلى هذا الترتيب الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال سبحان الله، فله عشر حسنات، ومن قال لا إله إلا الله، فله عشرون حسنة، ومن قال الحمد لله، فله ثلاثون حسنة» . وهذا لأن التقديس والتوحيد داخلان في الحمد وزيادة، وهذه الدرجات بإزاء هذه المعارف. وأما حركة اللسان ففضلها بحسب صدورها عن المعرفة أو تجديدها للاعتقاد في القلب، فإن الفم آلة لإزالة الغفلة لينمحي أثرها.

واعلم أنك إذا اعتقدت أن لغير الله دخلا في النعمة الواصلة إليك لم يصح حمدك، ولم تتم معرفتك وشكرك، وكنت كمن يخلع عليه الملك وهو يرى أن لعناية الوزير دخلا في خلعة الملك أو في إيصاله إليه. أو في تيسيرها؛ وكل ذلك اشتراك في النعمة، ويتوزع فرحك في النعمة عليهما. نعم، لو رأيت الخلعة الواصلة إليك بتوقيع الملك بقلمه، فذلك لا يقصر من شكرك، لأنك تعلم أن القلم مسخر له، لا دخل له في النعمة بنفسه؛ ولذلك لا يلتفت قلبك إلى الفرح بالقلم والشكر له؛ ولذلك قد لا يلتفت إلى الخازن والوكيل إذ يعلم أنهما مضطران إلى العطاء بعد الأمر، مسخران لا مدخل لهما بأنفسهما في النّعمة.

فكذلك من انفتحت بصيرته علم أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمر الله تعالى، كالقلم والكاغد (1) والحبر في التّوقيع؛ وأن قلوب الخلق خزائن الله تعالى، ومفاتيحها بيد الله عز وجل، فيفتحها بأن يسلط عليها دواعي جازمة حتى يعتقد أن خيرها في البذل مثلا، وعند ذلك لا يستطيع ترك البذل، فيكون مضطرا إلى الاختيار لما سلط عليه من دواعي الاختيار، فإنه لا يعطيك أحد شيئا إلا لغرض نفسه ليستفيد به في الآجل ثوابا، وفي العاجل ثناء وذكرا، أو غير ذلك؛ وما لم يعلم أن منفعته في منفعتك، فلا يعطيك؛ فإذا ليس هو منعما عليك إذ يسعى لنفسه، إنما المنعم عليك من سخره وسلّط هذه الدواعي عليه، وقرر في نفسه أن غرضه منوط بالأداء والإنعام. فإن عرفت الأمور

(1) الكاغد: الورق، أو القرطاس، والكلمة فارسية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت