فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 189

كذلك، كنت موحّدا وتصوّر منك الشكر، بل هذه المعرفة هي عين الشكر. قال موسى - عليه السلام - في مناجاته: إلهي خلقت آدم بيدك وفعلت وفعلت، فكيف شكرك؟ قال: علم أن ذلك منّي فكان معرفة ذلك شكرا.

الركن الثاني: الحال المستثمرة من المعرفة، وهي الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع والإجلال. ومن يرسل إليه بعض الملوك فرسا فيتصور أن يفرح به من ثلاثة أوجه: إحداها من حيث أنه ينتفع بالفرس، أو من حيث يستدل به على عناية الملك بشأنه، وأنه سينعم عليه بما هو أعظم منه، أو من حيث أن الفرس يكون مركبا له حتى يسافر إلى حضرة الملك ويخدمه. والأول ليس من الشكر في شيء، فإنه فرح بالنعمة لا بالمنعم. والثاني، داخل في الشكر شيئا، لكنه ضعيف بالإضافة إلى الثالث، فكمال الشكر أن يكون الفرح بما يفتح الله تعالى من نعمه، لا بالنعمة من حيث هي نعمة، بل بها من حيث إنها وسيلة إليه، إذ بنعمته تتم الصالحات، وعلامة هذا أن لا يفرح بكلّ نعمة تلهيه عن ذكر الله تعالى، بل يغتمّ بها ويفرح بما زوى (1) الله تعالى عنه من شغل الدنيا وفضولها، وهذا أكمل الشكر. فمن لم يستطع فعليه بالثاني. وأما الأول، ففرح بالنّعمة لا بالمنعم، وليس ذلك من الشكر في شيء.

الركن الثالث: العمل؛ وذلك بأن يستعمل نعمه في محابّه لا في معاصيه، وهذا لا يقوم به إلا من يعرف حكمة الله تعالى في جميع خلقه، وأنه لما ذا خلق كل شيء؛ وشرح ذلك يطول. وقد ذكرنا منه طرفا في الإحياء (2) ، وجملته أن يعلم مثلا أن عينه نعمة منه، فشكرها أن يستعملها في مطالعة كتاب الله، وكتب العلم، ومطالعة السموات والأرض، ليعتبر بهما ويعظم خالقها، وأن يستر كلّ عورة يراها من المسلمين، ويستعمل أذنه في سماع الذكر، وما ينفعه في الآخرة، ويعرض عن الإصغاء إلى الهجر والفضول، ويستعمل اللسان في ذكر الله تعالى والحمد له، في إظهار الشكر منه دون الشكوى؛ ومن سئل عن حاله فشكى فهو عاص، لأنه شكا ملك الملوك إلى عبد ذليل لا يقدر على شيء، فإن شكر فهو مطيع. وأما شكر القلب، فاستعماله في الفكر والذكر والمعرفة

(1) زوى: منع، وصرف.

(2) إحياء علوم الدين من أعظم مؤلفات الغزالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت