الصدر كسريان حرارة الشمس في باطن الأرض، تابعا لإشراق الأنوار؛ فإن الخشية أثر نور المعرفة، و {إِنَّمَا يَخْشَى اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] ، فانتشار الحركات والتغيرات إلى الجوارح من البكاء والعرق والاقشعرار والارتعاد، منبعث من آثار الخشية، وسائر الأحوال، كحركة أجزاء الأرض بتصاعد الأبخرة والأدخنة منها، بتصعيد حرارة الشمس، فالحركة تبع الحرارة، والحرارة تبع النور، والنور تبع وقوع المحاذاة بين الأرض والشمس. فاجتهد بأن تحاذي بوجه قلبك شطر شمس القرآن، وتستضيء بأنواره. كذلك فإن لم تطق ذلك فأصغ إلى النداء الوارد من جانب الطّور الأيمن، فإن آنست من جوانبه نارا، فخذ منه قبسا وأشعل منه سراجا، فإن كان زيتك صافيا يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار، فإذا مسته النار انبعث منه الضياء، ووجدت على النار هدى، وقام في حقك مقام الشمس المنتشرة الإشراق والضياء.
قال الله سبحانه: {وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيْرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ} [الأنفال:45، الجمعة: 10] ، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيْلًا} [المزمل:8] ، وقال صلى الله عليه وسلم: «لذكر الله بالغداة والعشي أفضل من حطم السيوف في سبيل الله ومن إعطاء المال سخاء» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأذكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الورق والذهب، وخير لكم من أن تلقوا أعداءكم فتضربوا أعناقهم ويضربون أعناقكم؟» قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ فقال: «ذكر الله» .
وقال صلى الله عليه وسلم: «سبق المفردون سبق المفردون» ، فقيل: ومن هم يا رسول الله؟ فقال: «المستهترون بذكر الله، وضع ذكر الله عنهم أوزارهم فوردوا القيامة خفافا» .
واعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الذكر أفضل الأعمال؛ ولكن له أيضا قشور ثلاثة، بعضها أقرب إلى اللب من بعض، وله لب وراء القشور الثلاثة. وإنما فضّل القشور لكونها طريقا إليه؛ فالقشر الأعلى منه ذكر اللسان فقط. والثاني القلب إذ كان القلب يحتاج إلى موافقته حتى يحضر مع الذكر، ولو ترك وطبعه لاسترسل في أودية الأفكار. والثالث أن يستمكن الذكر من القلب ويستولي عليه، بحيث يحتاج إلى تكلف في صرفه عنه إلى غيره، كما احتيج في الثاني إلى تكلف في قراره معه ودوامه عليه، والرابع - وهو اللباب - أن يستمكن المذكور من القلب، وينمحي الذكر ويخفى، وهو