الخامس: أن لا تقتصر على اقتباس الأنوار، بل تضيف إليها اقتباس الأحوال والآثار، وذلك أن لا تقرأ آية إلا وأن تصير بصفتها، فتكون لك بحسب كل فهم حال ووجد، فعند ذكر الرحمة، وعند المغفرة، تستبشر كأنك تطير من الفرح، وعند ذكر الغضب وشدة العقاب، تتضاءل كأنك تموت من الفزع، وعند ذكر الله وأسمائه وعظمته، تتطأطأ وتتصاغر حتى كأنك تنمحق من مشاهدة الجلال، وعند ذكر الكفار ما يستحيل عليه من ولد وصاحبة، تنكسر وتغض صوتك كأنك تنطمس من الحياء، وكذلك في كل صنف من الأصناف العشرة، وذلك أيضا يطول. وليظهر أثر ذلك على جوارحك من بكاء عند الحزن، وعرق جبين عند الحياء، واقشعرار الجلد، وارتعاد الفرائص عند الهيبة والجلال، وانبساط في الأعضاء واللسان والصوت عند الاستبشار، وانقباض فيها عند الاستشعار، فإذا فعلت ذلك، اشترك في نيل حظ القرآن جميع أعضائك، وفاضت آثار القرآن على عوالمك الثلاثة، أعني: عالم الملكوت، وعالم الجبروت، وعالم الشهادة.
واعلم أن محض أنوار المعرفة تفيض من عالم الملكوت إلى سرّ القلب، لأنه أيضا من الملكوت، وأما آثارها من الخشية والخوف والسرور والهيبة وسائر الأحوال، فإنها تهبط من عالم الجبروت، ومهبطها الصدر الذي هو عالم الجبروت، وهو عالم آخر من عوالمك، كنينا عنه بالصدر كما كنينا عن الأول بالقلب، لأن عالم الجبروت بين عالم الملكوت وعالم الشهادة، كما أن الصدر بين القلب والجوارح. وأما البكاء والشهيق والاقشعرار وارتعاد الفرائص، فتنزل من عالم الشهادة، ومهبطها الجوارح، لأنها من عالم الشهادة، وما أراك تفهم من القلب غير اللحم الصنوبري الشكل، ومن الصدر غير العظم المحيط به، فإنك لا تدرك من كل شيء إلا غلافه وقشره، وما أبعدك عن درك الحقائق، فإن هذا يوجد للبهائم والميت، ولا تنزل عليه أنوار المعارف والعلوم ولا آثارها من الخشية والهيبة والسرور، فإن أردت أن تستنشق شيئا من روائح هذه الأسرار - وما أراك تريد - فقد أخذ الشيطان بمخنقك بحبال الشهوات، فعليك بباب التوحيد من أول كتاب التوكل إن أردته.
واعلم أن القرآن كالشمس، وفيضان أسرار المعارف منه على القلب كفيضان أنوار الشمس على الأرض، وسريان آثار الخوف والخشية والهيبة وسائر الأحوال منه على